مجتمع وحوداث

بين فقدان الثقة واستعادة التوازن: قراءة في التحول السياسي الذي فرضه المحامون

زهير أصدور (محام بهيئة الرباط)
لم يكن البلاغ الصادر عن مكتب جمعية هيئات المحامين بالمغرب، بتاريخ 11 فبراير 2026، مجرد إعلان إداري عن استئناف الحوار أو سرد تقني لمخرجات اجتماع مع رئيس الحكومة. كان في العمق تعبيرًا عن لحظة سياسية فارقة، تحوّلت فيها الأزمة بين الجسم المهني ووزارة العدل من صدام حول مشروع قانون، إلى اختبار لمدى قدرة الحكومة على إدارة الخلافات المهنية الحساسة بعقلية مؤسساتية، وبروح قائمة على الشراكة لا على فرض الأمر الواقع.

الاحتجاجات التي خاضها المحامون خلال الأسابيع الماضية لم تكن –كما حاول البعض تصويرها– مجرد دفاع عن مصالح فئوية ضيقة. كانت، في جوهرها، مواجهة مع منهجية في التشريع أكثر مما هي مواجهة مع نص قانوني بعينه. ولعل ما أجّج التوتر وأفقد الحوار مصداقيته هو تراكم تعهدات لم تُحترم، ووعود قدّمت ثم جرى التراجع عنها، وقراءة حصرية للإصلاح تتجاهل قواعد المشاركة التي فرضها الدستور.

في هذا السياق المتوتر، بدا اللقاء الذي جمع رئيس جمعية المحامين برئيس الحكومة صباح 11 فبراير حدثًا سياسيًا بامتياز. ليس لأن رئيس الحكومة استمع للمحامين فحسب، بل لأن المبادرة جاءت منه شخصيًا، لتُخرج الملف من دائرة وزارة العدل وتضعه في صلب المسؤولية الحكومية العليا. هذا القرار وحده يكشف إدراكًا بأن المسار السابق لم يعد قابلًا للاستمرار، وأن محاولات تمرير مشروع قانون دون توافق ستدفع بالحكومة إلى أزمة لا مبرر لها داخل قطاع يعتبر أحد أعمدة العدالة.

اللافت في البلاغ ليس اللغة الهادئة التي صيغ بها، وإنما ما يقوله بين السطور. حين تتحدث الجمعية عن “إعادة بناء الثقة”، فهي لا تُجامل. إنها تستحضر، بوضوح دون صدام، حقيقة أن الثقة فُقدت، وأن الحوار لم يعد ممكنًا تحت إشراف الجهة التي سبق أن أخلّت بتعهداتها. وحين تثني على مبادرة رئيس الحكومة بتشكيل لجنة مشتركة تحت إشرافه المباشر، فهي ترسم حدودًا جديدة لدور كل طرف: الحكومة تحاور عبر المؤسسات، والجمعية تمثّل المهنة بشفافية ومسؤولية، فيما يبتعد الوزير عن قيادة الملف بعد أن أثبتت التجربة أن مقاربته خلقت الشرخ أكثر مما قربت المسافات.

قرار رئيس الحكومة عدم إحالة المشروع على البرلمان قبل انتهاء اللجنة المشتركة من أشغالها هو أيضًا نقطة تحول. ليس فقط لأنه مكسب مهني، بل لأنه اعتراف ضمني بأن الإحالة كانت ستعمّق الأزمة وتجعل البرلمان ساحة مواجهة بدل أن يكون فضاءً للتشريع المتزن. بهذا القرار، سحبت الحكومة فتيل أزمة كان يمكن أن تأخذ منحىً أكثر حدّة لو اختارت الاستمرار في النهج السابق.

البلاغ، رغم هدوئه، يعكس في مضمونه إعادة ترتيب لموازين القوة. فالمحامون، الذين خاضوا الإضراب بأعلى درجات الانضباط والتماسك، أثبتوا أن قدرتهم على الضغط ليست ظرفية ولا فئوية. والعودة إلى الحوار اليوم ليست تراجعًا، بل خطوة محسوبة تأتي بعد ضمانات سياسية واضحة، تجعل المشاركة في اللجنة المشتركة عملية ذات معنى لا مجرد مجاملة شكلية. لذلك فإن دعوة الجمعية للعودة إلى العمل ابتداءً من 16 فبراير لا يجب قراءتها كمؤشر تهدئة، بل كدليل على أن المعركة انتقلت من الشارع إلى طاولة تفاوض حقيقية، وأن المهنة تعرف متى تصعّد ومتى تُظهر مسؤوليتها تجاه المواطنين ونظام العدالة.

على المستوى الأعم، تكشف هذه الأزمة درسًا مهمًا للحكومة: أن المهن القانونية الحساسة لا تُدار بمنطق التعليمات الفوقية، ولا بمنهجية استعداء الجسم المهني، بل عبر مقاربة تراكم الثقة وتحترم استقلالية الفاعلين. وأن القوة الحقيقية لا تُستمد من السلطة القانونية وحدها، بل من القدرة على خلق قنوات تواصل فعّالة وتشاركية تُجنّب البلاد صدامات غير ضرورية.

في المقابل، كشفت المحاماة المغربية عن قدرتها على الدفاع عن منطق دستوري راسخ: أن العدالة ليست قطاعًا تقنيًا، بل فضاءً لحقوق المواطنين وضمانات الدفاع وميزان السلطة. وأن أي إصلاح يمرّ فوق إرادة مهنييها سيكون إصلاحًا معطوبًا، ولو بدا متماسكًا على الورق.

هكذا، يصبح البلاغ أكثر من مجرد إعلان. إنه وثيقة سياسية تعكس لحظة استعادة للتوازن داخل الحكومة، لحظة اقتنعت فيها بأن الإصلاح لا يمرّ إلا عبر شراكة حقيقية، وأن المهنة ليست عائقًا أمام التطوير بل شريكًا طبيعيًا فيه. كما يعكس البلاغ أن الاحتجاج حين يكون منضبطًا وذا مشروعية مهنية، يصبح أداة لتصحيح المسار وليس لتوتيره.

المحامون اليوم يعودون إلى مقراتهم ومهامهم، لكنهم يعودون أيضاً كفاعل سياسي مهني عرف كيف يفرض احترامه ويحمي استقلاليته ويعيد توجيه بوصلة الإصلاح نحو مسار تشاركي. أما الحكومة، فقد أخذت خطوة ضرورية لإعادة الثقة، وفتحت صفحة جديدة قد تشكل نموذجاً في كيفية إدارة الملفات المهنية المعقدة.

وفي انتظار ما ستسفر عنه اللجنة المشتركة، يظل المؤكد أن ما حدث لم يكن مجرد أزمة عابرة، بل محطة فارقة ستترك أثرها العميق على علاقة المهنة بالحكومة، وعلى فهم أعمق لمعنى الشراكة في صناعة السياسات العمومية.