مجتمع وحوداث

المدرسة وحدها لا تكفي.. وهم الإصلاح البيداغوجي في مواجهة استقالة الأسرة

برعلا زكريا

راهن رواد التربية الجديدة في أوروبا ما بين 1918 و1939 على قدرة المدرسة وحدها في منع الحروب عبر تغيير المناهج، لكن اندلاع الحرب العالمية الثانية سنة 1940 أثبت محدودية هذا الطرح، ويستند البيداغوجي فيليب ميريو إلى هذه الواقعة للتأكيد على استحالة إصلاح المدرسة لما أفسده المجتمع، ويصطدم هذا المعطى في المغرب بخطاب سياسي واجتماعي يحمل المؤسسة التعليمية مسؤولية كل انحراف قيمي.

تكشف الإحصائيات الرسمية لوزارة التربية الوطنية معطيات رقمية دالة، فعلى سبيل المثال سجل الموسم الدراسي 2021-2022 انقطاع 334 ألفا و664 تلميذا عن الدراسة، ويغذي هذا الرقم جيش العاطلين ومراكز الجنوح، وتشير تقارير المجلس الأعلى للتربية والتكوين إلى استنزاف كلفة الهدر المدرسي لموارد مالية ضخمة من الميزانية العامة للدولة دون تحقيق الأثر المرجو، وتتداخل في هذه الظاهرة عوامل سوسيواقتصادية مركبة تتجاوز أسوار المؤسسات التعليمية.

رصدت تقارير البنك الدولي حول الفقر التعليمي عجز نسبة كبيرة من الأطفال المغاربة في سن العاشرة عن قراءة وفهم نص بسيط، ويرتبط هذا المؤشر بالبيئة الأسرية والمستوى الثقافي للوالدين، حيث تخلت شريحة واسعة من الأسر عن وظيفتها التربوية والمواكبة لصالح الشارع والهواتف الذكية، ليجد المدرس نفسه أمام تلاميذ يفتقدون للحد الأدنى من الرصيد اللغوي والقيمي الضروري لعملية التعلم.

يعاني المشهد التعليمي من تفاوت في السرعات، ويتسع الشرخ بين التعليم الخصوصي والعمومي، ويمتد الانقسام إلى قلب المدرسة العمومية ذاتها بين مدارس الريادة المجهزة وبين مدارس تفتقر لأبسط الوسائل، ويفرغ هذا التباين شعار تكافؤ الفرص من محتواه، وتظل التوجيهات الرسمية بخصوص التمييز الإيجابي للوسط القروي معطلة التنفيذ أمام واقع التهميش وغياب العدالة المجالية.

تواجه الأسرة أزمة مركبة تلامس جوهر الهوية، ويعيش المجتمع حالة من الاستلاب الثقافي وصراع الأجيال الذي عطل وظيفة التنشئة، ويجد الآباء صعوبة في مواكبة التحولات الرقمية والقيمية للأبناء، وخلقت الفجوة التواصلية فراغا ملأته وسائط التواصل الاجتماعي والمحتويات الرقمية، لتتحول الأسرة من فضاء للتربية ونقل القيم إلى مجرد فضاء للإيواء البيولوجي.

تتحمل ميزانية الدولة تكلفة باهظة جراء الانفصال بين التربية والتعليم، وتترجم لغة الأرقام هذا الوضع في تقارير المندوبية العامة لإدارة السجون التي أحصت تجاوز عدد السجناء عتبة 100 ألف، وتمثل فئة الشباب والقاصرين الذين غادروا فصول الدراسة نسبة مهمة من هذا العدد، وتبلغ تكلفة السجين الواحد يوميا عشرات الدراهم من المال العام، ويعني ذلك استنزافا للموارد في تدبير نتائج الفشل التربوي بدلا من استثمارها في معالجة أسبابه.

تنبأ المفكر المهدي المنجرة بهذه الاختلالات حين تحدث عن أزمة القيم وعجز المنظومة التربوية عن إنتاج الكرامة، مؤكدا أن استيراد النماذج البيداغوجية الجاهزة دون تبيئتها مع الواقع الثقافي والاجتماعي هو حرث في الماء، وذهب الفيلسوف طه عبد الرحمن في الاتجاه نفسه بنقده لفصل الأخلاق عن التعليم، معتبرا أن طغيان التقنية والمادية على البرامج الدراسية أفرغ العملية التربوية من روحها.

يخوض المدرس مهامه في ظل ظاهرة الاكتظاظ التي حولت الأقسام إلى فضاءات للحشد، ويطلب منه المجتمع تلقين المعرفة وتقويم السلوك ولعب دور المساعد الاجتماعي، وتتعمد السياسات العمومية تكريس صورة سلبية عن رجل التعليم وتحميله وزر فشل المنظومة، رغم أن التلميذ يقضي في المدرسة حيزا زمنيا ضئيلا مقارنة بوقته في محيط يضخ رسائل مناقضة لقيم المدرسة.

تربط المقاربة الإسلامية للتربية ومفهوم التأديب بين صلاح البيت وصلاح النشء، وتستحيل قدرة المدرسة على بناء أخلاق هدمتها الأسرة أو الشارع، وركزت النصوص المؤسسة والاجتهادات الفلسفية على التكامل الوظيفي بين مؤسسات التنشئة، وحذرت من خطورة التناقض بين القول والفعل، ويعيش المجتمع اليوم انفصاما بين مدرسة تدعو للقيم ومحيط يمارس العنف والانتهازية.

يستنزف العنف المدرسي وتخريب الممتلكات ميزانيات ضخمة للصيانة، وتكشف تقارير وزارة العدل عن ارتفاع في قضايا العنف ضد الأصول، ويؤشر ذلك على انهيار جدار الاحترام، ويؤكد أن الأزمة ليست أزمة مقررات دراسية فحسب، بل هي أزمة مجتمع فقد بوصلته التربوية واستقال من مهامه التنشئوية، تاركا المدرسة وحيدة في مواجهة طوفان من السلوكات المنحرفة.

تستمر الدولة في تبني حلول جزئية عبر المخططات الاستعجالية التي تركز على البنيات التحتية، ويظل العنصر البشري والخلل القيمي خارج دائرة الاهتمام، ويستمر نزيف الرأسمال البشري في وقت يحتاج فيه المغرب لكل طاقاته، ويبقى الرهان على المدرسة وحدها لإنتاج المواطن الصالح مقامرة بمستقبل البلاد في ظل استقالة مؤسسات التنشئة الاجتماعية الأخرى.