مجتمع وحوداث

الرميد يكسر 'طوق' الفقه التقليدي ويطالب بإنصاف أطفال العلاقات خارج الزواج

الحسن زاين

 في قراءة تجديدية أثارت عاصفة من النقاش الفقهي والقانوني، اختار وزير العدل المغربي الأسبق، مصطفى الرميد، منصة "الجمعية المغربية لليتيم" ليوجه انتقادات لاذعة للجمود الذي يحيط بملف نسب الأطفال المولودين خارج إطار الزواج الشرعي. 

وخلال الندوة المنعقدة بالدار البيضاء في السابع من فبراير الجاري، فكك الرميد ما وصفه بـ"الأسوار الوهمية" التي تحرم هؤلاء الأطفال من حقهم في الانتساب لآبائهم البيولوجيين، معتبراً أن الوضع الحالي لا يمثل جوهر الشريعة، بل هو انتصار للأعراف والاجتهادات التي لم تعد تساير العقل والعدل الإسلامي.

و​انطلق الرميد في عرض عنونه بـ "يقينيات بشان نسب الأولاد من علاقة غير شرعية" من منطلقات دستورية وقرآنية، حيث شدد على أن الشريعة الإسلامية قامت في جوهرها على العدالة المطلقة. واستند في هذا السياق إلى المقصد الأسمى من التشريع الذي يرفض تحميل البريء تبعات خطأ غيره، مستحضراً المبدأ القرآني "ولا تزر وازرة وزر أخرى". وأوضح الرميد أن حرمان طفل من نسبه لأبيه البيولوجي، رغم وجود أدلة قطعية، هو "عقاب للضحية" ووصم اجتماعي لا سند له في الحلال والحرام، مؤكداً أن القرآن الكريم حين حرم الزنا لم يربط بين قبح الفعل ونفي نسب الثمرة الناتجة عنه، بل ترك الباب موارباً للعدل والإنصاف.

​وفي خطوة تتجاوز التفسيرات التقليدية لحديث "الولد للفراش"، قدم الوزير الأسبق قراءة قانونية وتقنية مغايرة، مشيراً إلى أن هذا الحديث يسري في حال وجود نزاع داخل مؤسسة الزواج، ولا يجب أن يُستخدم كذريعة للتنصل من المسؤولية الأبوية في غياب "الفراش" أصلاً. 

ودعا الرميد إلى ضرورة الاعتداد بالحمض النووي (DNA) كوسيلة قطعية لإثبات البنوة، معتبراً إياها النسخة العصرية والمطورة من "القيافة" التي أقرها النبي صلى الله عليه وسلم، ومستشهداً بآراء فقهية لابن القيم الجوزية التي تفتح الباب أمام إلحاق الطفل بالزاني إذا استلحقه ولم تكن هناك منازعة.

​ولم تخلُ مرافعة الرميد من حمولة حقوقية استشرفت تعديلات مدونة الأسرة، حيث انتقد بشدة التقييدات القانونية الحالية التي تكرس التمييز بين النسب والبنوة. وطالب باستلهام روح الاجتهاد القضائي الحديث، مشيداً بقرار محكمة النقض الأخير الصادر في أبريل 2025، والذي أقر بالتعويض المادي لفائدة طفلة ناتجة عن علاقة اغتصاب. معتبرا أن تفعيل المادة 77 من قانون الالتزامات والعقود لتعويض هؤلاء الأطفال عن الضرر النفسي والاجتماعي هو الحد الأدنى من الإنصاف في انتظار ثورة تشريعية تعيد ترتيب الأولويات لصالح "المصلحة الفضلى للطفل".

​ختم الرميد عرضه بالتنبيه إلى أن الفقه الإسلامي يتسم بالمرونة والتوسع في إثبات النسب احتياطاً، وهو ما يظهر في قبول نسب الطفل في حالات الزواج الفاسد أو الشبهة. وتساءل بلهجة مؤثرة عن الحكمة من الإصرار على قهر فئة "اليتامى اجتماعياً" بوصمة لا يد لهم فيها، داعياً العلماء والمشرعين إلى شجاعة أدبية تنصف هؤلاء الأبرياء وتغلق باب المعاناة الإنسانية التي يتوارثها مجهولو النسب في المجتمع المغربي.

وجاء عرض الرميد كاملا كالتالي:"

بسم الله الرحمان الرحيم، وبه سبحانه نستعين.

ان موضوع الولد المتنسل من علاقة غير شرعية، اثار ويثير اختلافات شتى، وسيظل كذلك الى ماشاء الله، لكني متاكد من ان الوعي الاسلامي في الموضوع ، سيتجدد بما يؤدي الى انصاف هذه الفئة البريئة من الناس، ويضعها حيث وضعتها شريعة الله الحقة ، بعيدا عن الافهام البشرية المثقلة بالافهام الخاصة، والتاويلات الخاطئة،المستندة الى العادات ، اوالنصوص الضعيفة او الموضوعة.

لذلك ، وقبل الحديث في تفاصيل الموضوع، يجذر بي الحديث اولا، عن بعض الاسس التي بنيت عليها الشريعة الاسلامية في علاقتها بهذا الموضوع، وقد سميناها اليقينيات الشرعية الكبرى، ثم نتطرق الى ماسميناها اليقينيات الشرعية الفرعية .

اما بخصوص اليقينيات الشرعية الكبرى ، فان اولها، كون الشريعة الاسلامية تاسست على العدل. 

 وثانيها، ولا تزر وازرة وزر اخرى. 

وثالتها ، الحلال بين والحرام بين...

وذلك كالتالي:

اولا، ان الله عدل ،

 وهو سبحانه يحب العدل، وقد امر الناس به، وجعله قوام الحياة، واساس العمران، ولذلك فان شريعته تاسست على العدل، والقسط بين الناس ، واستهدفت تحقيق مقاصد اهمها مقصد العدل، وفي ذلك يقول الله تعالى( ان الله يامركم ان تؤدوا الامانات الى اهلها، واذا حكمتم بين الناس ان تحكموا بالعدل، ان الله نعما يعظكم به، ان الله كان عليما بصيرا).

ولا يخفى ان العدل يورث المساواة بين الناس ، خاصة في الحقوق والواجبات، ويجعلهم سواسية لافرق بين هذا وذاك الا بالتقوى.

 قال الله تعالى:( يايها الناس انا خلقناكم من ذكر وانتى، وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ،ان أكرمكم عند الله اتقاكم)..

 وان كل فقيه متضلع في فقه الشريعة الاسلامية، ومقاصدها ، ملم بحكمتها وانصافها، لايسعه الا ان يقول بما قال به العلامة ابن القيم الجوزية، من قول هو الحق والصواب، وفصل الخطاب، لقد قال رحمه الله:( ان الشريعة عدل كلها ورحمة كلها، وحكمة كلها، واي مسالة خرجت فيها عن العدل الى الجور، ومن الرحمة الى ضدها، ومن الحكمة الى العبث، ومن المصلحة الى المفسدة، فليست من الشريعة، وان ادخلت فيها بالتاويل)..

 وكيف لاتكون الشريعة الاسلامية كذلك؟، والله تعالى يقول في محكم التنزيل:( ولقد كرمنا بني ادم، وحملناهم في البر والبحر، ورزقناهم من الطيبات ،وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا) ، وهو تكريم شامل وتام، لايقصي احدا لأصله وفصله، او لونه او جنسه، اذ لافرق بين بشر وبشر، وبين ادمي وادمي، الا بما كسب وعمل، وبماقدم واخر... كما سياتي بيانه.

ثانيا، ( ولاتزر وازرة وزر اخرى).

معلوم ان التكليف يتاسس على المسؤولية الفردية، وان الثواب والعقاب يستند الى الافعال الذاتية التي لاعلاقة لها بافعال الاخرين، وما كسبته ايديهم سلبا اوايجابا، خيرا او شرا.

 لذلك قرر القران الكريم مبدا اساسيا في هذا السياق، هو مبدا( ولاتزر وازرة وزر اخرى). كما قرر: (وان ليس للانسان الا ماسعى، ثم يجزاه الجزاء الاوفى).

وعلى هذا الاساس نطق القران الكريم بالعديد من الايات التي تؤكد هذا المعنى، وتعزز موقعه في نفس الانسان ، وينبغي ان ياخد مكانه في واقع الناس، من قبيل قوله تعالى:

(من اهتدى ،فانما يهتدي لنفسه، ومن ضل فانما بضل عليها).

( ومن يكسب اثما فانما يكسبه على نفسه،وكان الله عليما حكيما).

(ومن نكث فانما ينكت على نفسه).

(ومن يوق شح نفسه فاولئك هم المفلحون).

(ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه).

(كل نفس بما كسبت رهينة الااصحاب اليمين ).

وقد تواثرت في ذلك أيات الرحمان ، وتعددت ،لدرجة انه لا عذر لمن استمع ، او اعتقد ، او امن بمانسب للشريعة الاسلامية من اقوال موضوعة ، و معاني منحولة، لااساس لها مطلقا في شريعة الله العدل المقسط سبحانه.

ولعل مما يؤكد ذلك ويعززه، قوله تعالى،:( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره).

ومن اراد الاستزادة في هذا الباب الناصع البين، والصراط القيم، فما عليه الا ان يقرا قول الله تعالى:( ان اكرمكم عند الله اتقاكم)، دليلا على ان ليس للانسان الا ماسعى، وانه لاتزر وازرة وزرى اخرى.

 هذا مما ينبغي الايمان به، والكفر بما سواه، لان الامر يتعلق بايات بينات محكمات، لايجوز معها الايمان بالمتشابه من القول ، والمتهافت من المعاني .

ثالتا، الحلال بين والحرام بين...

معلوم ان الله تعالى حلل الحلال فبينه، وحرم الحرام فنهى عنه.

وان من الحرام المعتبر من الكبائر المغلظة : الزنا.

 اذ لايتصور في دين الاسلام علاقات رضائية خارج الاطارالشرعي، ولا يجوز استحلال ذلك باي وجه،او التشجيع عليه، او استسهاله،او التغاضي عنه.

 ولذلك وصف الله تعالى عباد الرحمان بقوله سبحانه في سورةالفرقان:( والذين لايدعون مع الله اله اخر، ولا يقتلون النفس التي حرم الله الا بالحق، ولا يزنون، ومن يفعل ذلك يلق اثاما، يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا).

 وقال سبحانه في سورة الإسراء:( ولا تقربوا الزنى انه كان فاحشة وساء سبيلا).

وبناء على ذالك، فاذا كان الشرع الحكيم قد بين الحرام بهذا الوضوح الفاقع، والبيان الناصع ، فانه لم يرتب عنه في اي ايةقرانية محكمة، او سنة نبوية ثابتة متبعة، ما ينزع اليه جانب من الفقه من تاثيم الأطفال الابرياء، او تحميلهم اثم غيرهم.

ومعلوم ان القران الكريم بين العديد من الاحكام التفصيلية المتعلقة بالزواج ،والطلاق، والنسب ،والتبني، والرضاع وغيرها ،مما يهم كيان الاسرة.

كما انه حرم الزنا، وشدد على تحريمه، لكنه لم يتعرض لموضوع نفي نسب المولود للام او المولود للاب المترتب عنه. وبالتالي ، فانه وكما تم اعتبار الامومة في جميع الحالات، ينبغي اعتبار الابوة في جميع الاحوال، الا اذا قام دليل صحيح صريح، وهو الامر الذي لم نقف عليه.

وبناء عليه، فان من حرم الأولاد من الانتساب الى ابائهم بدعوى العلاقة غير الشرعية، فانما بناء على حجج مرجوحة، واقوال ضعيفة او موضوعة، فحملوهم اوزار غيرهم، ورتبوا عليهم ما ليس مما كسبت ايديهم، خلافا لصحيح الشرع منطوقا ومقاصد، مع العلم ان الغالب لدى علماء الفقه عدم جوز زواج البنت من الزنا بابيها البيولوجي، فهل يستقيم القول بعدم انتسابها اليه، مع عدم جواز زواجها منه؟.

وتاسيسا على هذه اليقينيات الشرعية الكبرى، تاسست يقينيات فرعية .

اولها، ( فاما اليتيم فلاتقهر) ومعلوم ان اليتيم هو الصبي الذي لايجد من يقوم بشانه، ويغفل الناس عادة عن حاجاته، وقد قال الراغب الاصفهاني ان ( كل منفرد يتيم)، وقال النسفي:( اليتيم من لااب له، ولم يبلغ الحلم).

وبناء على ذلك ، اصدرت اللجنةالدائمة للبحوث العلمية والافتاء في المملكةالعربية السعودية فتوى بهذا الشان. جاء فيها:( ان مجهولي النسب في حكم اليتيم لفقدهم لوالديهم، بل اشد حاجة للعناية والرعاية من معروفي النسب،لعدم معرفة قريب يلجؤون اليه عند الضرورة).

 واذا كان الامر كذلك، فان الله تعالى قال:( الم يجدك يتيما فاوى ،ووجدك ضالا فهدى، ووجدك عائلا فاغنى، فاما اليتيم فلاتقهر، واما السائل فلا تنهر، واما بنعمة ربك فحدث).

 وليس هناك مايقهر صبيا قدر وصمه بما لادخل له فيه، ولا علاقة له به، ومما لم يكن بسعيه،ولا من فعله، فضلا عن ان يكون من ذنبه.

وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيما رواه البخاري، انه قال،:( انا وكافل اليتيم كهاتين ، وقرن بين اصبعيه الوسطى والتي تلي الابهام ) .

اما اليقينيةالفرعية الثانية، فهي انه يلزم من نسب الطفل الى امه نسبه ايضا لابيه، متى ثبت ذلك ثبوتا قطعيا او ظنيا.

ذلك ان المولود ينسب لامه في جميع الاحوال، حتى في حالة كونه تنسل من علاقة غير شرعية، واذ لم يتفق الفقهاء على نسب المولود للوالد من علاقة غير شرعية، فانهم متفقون على ان الشرع متشوف للحوق النسب، وقد تقرر بناء على ذلك، ان الولد ينسب للاب للشبهة ، ولا ينفى عنه الا بيقين.

ولذلك فان مدونة الاسرة المغربية جعلت النسب يثبت بفراش الزوجية اذا ولد الولد لستة اشهر من تاريخ العقد، وامكان الاتصال ، سواء كان العقد صحيحا او فاسدا.

 وكذلك، إذا ولد خلال سنة من تاريخ الفراق، مع ان ذلك لايقع الا في حالات تكاد ان تكون محدودة وناذرة جدا، ومع ان ذلك يمكن ان مدخلا من مداخل الممارسات غير الشرعية ، وذلك لان الشرع الحكيم احتاط بالتوسع في النسب بما لامزيد عليه، اكثر من احتياطه لاي اعتبار اخر.

لذلك يتعين التساؤل عن الاساس الذي تحكم في الاجتهاد الفقهي الذي يعتد بالامومة، ولا يعتد بالابوة في حالة حصول ولادة من علاقة غير شرعية؟

المؤكد ان الاعتداد بالامومة نابع من المعلومية اليقينية لتنسل المولود من الام، ذلك ان حملها لشهور به، وولادتها المعلومة له، تجعله وليدها بما لاشك فيه،بينما تنتفي هذه المعلومية في حالة الاب ، إذا لم يتعلق الامر بزواج.

غير ان من ينفي علاقة الابوة بسبب الزنا، كان عليه نفي الامومة عن الام لثبوت العلة الواحدة في الحالتين، وبالتالي فان نفي النسب عن الاب واثبات الامومة للام مع انهما يشتركان في علة واحدة ،يجعل هذا الحكم غير مستساغ وغير مقبول.

وبناء عليه ،فقد قال العلامة ابن القيم الجوزية :( ان الاب احد الزانيين، وهو اي المولود إذا كان يلحق بامه،وينسب اليها ، ويثبت النسب بينه وبين اقارب امه مع كونها زنت به وقد وجد الولد من ماء الزانيين، وقد اشتركا فيه، واتفقا على انه ابنهما ، فما المانع من لحوقه بالاب اذا لم يدعه غيره؟، فهذا محض قياس).

 واذا كان ابن القيم رحمه الله قد قال بهذا القول الوجيه، والاستدلال الصحيح، فان عصرنا اتاح لنا مابه نستطيع الجزم بعلاقة الابوة، وذلك من خلال فحص الحامض النوويADN، وهو مايرفع اي لبس في علاقة الابوة ،تماما كما علاقة الامومة.

ومعلوم ان الفقه ياخد بالقيافة ، وهي معرفة الانساب بناء على الفراسة، بمقارنة الاعضاء الجسمانية بعضها ببعض. وهو دليل يعتمد في بعض الاحوال التي تنتفي فيها الدلائل، وذلك انطلاقا من الحديث الذي اخرجه البخاري عن عائشة انها قالت:(دخل علي قائف، والنبي شاهد، واسامة ابن زيد ،وزيد ابن حارثة مضطجعان، فقال: ان هذه الاقدام بعضها من بعض ، فسر بذلك الرسول صلى الله عليه وسلم، واعجبه، فاخبر به عائشة).

 وكما لايخفى، فان اعلان النبي صلى الله عليه وسلم سروره بما سمع ، يعني اقرارا منه لما استنتج القائف من مقارنة ألاعضاء بعضها ببعض، واستنتاج علاقة الابوة التي كان البعض يشكك فيها.

ان القيافة تبقى دليلا ظنيا على خلاف فحص الحامض النووي الذي يفيد القطع كما هو مقرر علميا.

لذلك لاحق لمن يقول بالقيافة ان لايقول باعتبار فحص الحامض النووي. 

ثالت اليقينيات الفرعية،كون الولد للفراش.وذلك بناء على الحديث النبوي الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم ،والذي جاء فيه عن عائشة ىضي الله عنها انها قالت:(كان عتبة قد عهد الى اخيه سعد ابن ابي وقاص ان ابن وليدة زمعة ابني،فاقبضه اليك، فلما كان عام الفتح اخده سعد، فقال ابن اخي عهد الي فيه، فقام عبد بن زمعة فقال: اخي وابن وليدة ابي،ولد على فراشه، فتساوقا الى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال سعد يارسول ابن اخي كان فد عهد الي فيه، فقال عبد ابن زمعة اخي وابن وليدة ابي،ولد على فراشه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم، هو لك ياعبد بن زمعة، الولد للفراش وللعاهر الحجر) قال الفقهاء اي لها الخزي والعار .

ان الملاحظ هنا، ان قاعدة الولد للفراش جاءت في سياق قضاء النبي صلى الله عليه وسلم، بين صحابيين متنازعين في نسب طفل ، اذ ان احدهما يطالب به لكونه ولد على فراش ابيه، اما الاخر فانه اعتبره ابن اخيه الذي اعترف له به، واوصاه بحيازته والعناية به. غير ان النبي صلى الله عليه وسلم رجح القرينة الموضوعية على ماعداها ،وبالتالي، فانه وجب القول بعدم حواز ادعاء الابوة لمولود ازداد على فراش الغير، والمقصود بالولد للفراش، هو قيام علاقة زوجية ترتب عنها مولود لايمكن نسبته الا لطرفي العلاقة الزوجية ، وذلك اذا حصلت هذه الولادة خلال الامد المعتبر شرعا، وهو ستة أشهر على الاقل من انعقاد الزواج ، وسنة على الاكثر من تاريخ الافتراق.

ان هذه القاعدة المحكمة، غير قابلة لاثبات العكس، حفاظا على الاسر ، وضمانا لاستقرار المجتمع، وهي تحفظ نسب المولود المستند الى الوضع الظاهر والمعروف ، الا اذا تعلق الامر بحالة اللعان بشروطه المقررة شرعا، وهي في غايةالضبط والضيق.

لذلك فان هذه القاعدة، ترتبط بوجود الفراش( العلاقة الزوجية)، ومعها وجود مولود منسوب الى هذه العلاقة ،اذ لايصح معها انتزاع نسبه لهذا الفراش ، اما حينما يتعلق الامر بولد غير منسوب لوالد، اي غير متنسل من علاقة شرعية، فانه لادخل لقاعدةالولد للفراش مطلقا في الموضوع، وبالتالي يكون الاستناد اليها غير مبرر ، لعدم تحقق المناط في هذه الحالة . والمناط هنا، هو وجود علاقة زوحية ترتب عنها ولد، وليس حالة ولد مجهول النسب.

ولتوضيح الصورة بمزيد من البيان، فانه اذا كان هناك طفل ادعى شخص ابوته ،وكان هذا الطفل معلوم النسب ،بسبب ولادته من علاقة زوجية قائمة ( فراش) ، فانه لايمكن لاحد استلحاقه ، لانه لا يجوز استلحاق الولد معلوم النسب كما هو مقرر فقها، بعكس الولد

 مجهول النسب الذي يستلحق بشروط معينة.

وهكذا ، فانه في الاستلحاق لايواجه المستلحق( بكسر الحاء)، بقاعدةالولد للفراش الا إذا كان المولود معلوم النسب، اما في حالة كون النسب مجهولا، فلا محل للقاعدة المذكورة مادام الفراش مفتقدا اصلا .

وهذا يعني انه متى كان هناك نزاع بين من يدعي نسب الولد اليه بناء على قيام علاقة زوجية، وبين من يدعيه لاي سبب من الاسباب،( الزنا مثلا)،فان الاتفاق واقع على ان العبرةبالزواح دون غيره. 

اما في حالة ولد مجهول النسب، فان قاعدة (الولد للفراش ) لاتجد لها اساسا ولاسببا، وبالتالي فهي منتفية تماما، وينبغي البحث عما عداها من القواعد للبث في النازلة.

  رابعا، مفردات القران الكريم تربط بين الماء والنسب. 

ذلك انه من يتتبع ايات القران الكريم، يجدها في مفرداتها، تعتمد العلاقة بين الماء المجرد و النسب ، كقوله تعالى: (وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا).

فهنا ربط الله تعالى بين النسب والمصاهرة، مع الماء دون اي قيد او صفةاخرى.

وحينما تعلق الامر بواقعة التبني، قال الله تعالى:( ادعوهم لابائهم هو اقسط عند الله، فان لم تعلموا اباءهم فاخوانكم في الدين).

 وانه وان كان السياق يتعلق بمنع التبني، كما هو معلوم ،فان العبرة بعموم اللفظ لابخصوص السبب، وبالتالي فان المستفاد من نص الاية هو ان الاباء المعلومين هم احق بنسبةابنائهم اليهم . اماحينما يفتقد الاباء، فان هؤلاء الابناء هم اخواننا في الدين ، وبذلك فان الحالة الاخيرة تتاسس على عدم العلم بالاباء، مطلق الاباء. اما حينما يكونوا معلومين حقيقة، او حكما ،بمقتضى الاستلحاق المقرر شرعا،او بحكم ماتسفر عنه نتاىج فحص الحامض النووي، فاننا بذلك نكون على علم بهؤلاء الآباء ، وبالتالي يتعين القول بنسبة الابناء ال آبائهم بغض النظر عن اي اعتبار اخر.

خامسا ، في الحق في التعويض عن الضرر طبقا لقواعد المسؤوليةالتقصيرية.

 ان مدونةالاسرة لاتاخد في موضوع النسب الى حد الان الا بالبنوة المترتبة عن علاقة شرعية بالنسبة للاب، على عكس الام التي تستوي عندها العلاقة الشرعية من عدمها في موضوع نسب الولد.

 كما ان المدونة اخدت في المادة 160 باقرار الاب (الاستلحاق) لاثبات النسب، كما اخدت باثبات النسب في حالة الخطوبة بشروط قررتها المادة151.

 والى حين الوعي بحق الأولاد في النسب الى آبائهم الذين هم من اصلابهم ،بغض النظر عن طبيعة العلاقة التي كانت قاىمة بين الاباء والامهات، فان قانون الالتزامات والعقود يقرر في المادة 77 مايلي:( كل فعل ارتكبه الإنسان عن بينة واختيار،ومن غير ان يسمح له به القانون، فاحدث ضررا ماديا او معنويا للغير ،الزم مرتكبه بتعويض هذا الضرر، اذا ثبت ان ذلك الفعل هو السبب المباشر في حصول الضرر).

وبمثل ذلك تنطق المادة 78من القانون نفسه.

وقد قمنا باعتماد هذه المادة في سؤال طرحناه في امتحان الالتحاق بمهنة المحاماة ،سنة 2015، في النازلة المشهورة بنازلة( عاصي ومرة)، وكان الهدف هو تنبيه الراي العام القانوني والحقوقي الى هذا المقتضى القانوني المقرر، والذي ينبغي اعتماده من قبل كل متضرر من هذه الحالة، في مواجهة المسؤول عنها.

وقد قدر الله ان توفرت شروط انتاج اجتهاذ فضائي صدر عن محكمة النقض المغربية بتاريخ 2025.04.15 ، قرار عدد375/1 حيث قضى بثبوت مسؤوليةالمغتصب ، باعتبار ان (اسيفاء الزاجر بايقاع العقوبة على الجاني لايسقط حق المولود الضحيةنتاج الفعل الجرمي في التعويض جبرا للضرر الحال او المستقبلي ، في اطار قواعدالمسؤولية التقصيريةالناشئة عن الجريمة). وهو اجتهاذ رائد وموفق، صاغته قامات قضائية، طبقت منطوق الدستور ، الذي يلزم القاضي بالتطبيق العادل للقانون. واعتقد ان ماتقرر في حق المغتصب، يتعين تقريره في حق الواطىء خارج اطار العلاقة الشرعية، وذلك في انتظار مقاربة موضوع النسب مقاربة تتاسس على العدل والانصاف المامور به شرعا.

وفقنا الله الى سبيل الرشاد ، وانار لنا طريق الحق والسداد. والسلام عليكم ورحمة الله".