بعدما وضعت حرب "الكان" أوزارها وبدأت الأنفس تهدأ لترى بعين الحقيقة أسباب ما وقع لهذا الحلم المجهض الذي رفعنا إيقاعه لدرجة لم نعد نحن من صنعنا أطواره، ضبط إيقاعه أصبح جامحاً بلا حدود فاقت التوقع، ولم يستهدف بلداً واحداً فقط، بل العالم بأكمله صار حديث الساعة في كل بقاع الدنيا. وبغض النظر عن حيثيات النقاش الدائر حول أحقيتنا بالكأس من عدمه -وتلك قضية أخرى- أغلب المختصين ذهبوا لكون المدرب هو المسؤول الأول عن ضياع اللقب لأننا لم نعبر صراحة خلال المقابلات والاختيار التقني عن جاهزيتنا لهذه المحطة؛ لم نكن مقنعين أداءً وأسلوباً مقارنة مع الآخرين، بل صاحب هذا الأداء المريب هجمة شرسة على كل منتقد ومحذر للخسارة. أغلب التصريحات تكسوها العاطفة بشكل مبالغ فيه، بل هناك من أعطى الكأس للمغرب قبل أن يلعب، وهي سقطة ثانية تتكرر كما وقع بالكوت ديفوار حين لعبنا بخلفية الرابع عالمياً وخرجنا من البطولة في أطوارها الأولى. هنا لابد أن نشير إلى ملاحظة مهمة: في كل المحطات المصيرية نتحاشى الحقيقة والتشخيص الموضوعي، ونقف وراء إعلام معطوب ومؤثرين غير مؤهلين يطبعهم الاسترزاق واللعب على إذكاء النعرات بين الشعوب وإشعال نار الفتن، ما ظهر منها وما بطن.
الحقيقة أننا لا نتقن طرق الفوز ولا نجيد تدبير المشاعر بما يتوازى مع الإنجاز، وتبين أن مؤسساتنا بمختلف أدوارها وإمكاناتها المادية الهائلة معطوبة تستوجب التصحيح الفوري لأنها بكل بساطة غير قادرة على تأطير اللحظة، وظهرت محدودية قدراتها، بل هناك استنزاف خطير دون نتيجة تذكر.
للحقيقة والتاريخ، هناك معطيات لا يمكن الخلط بينها، ومنها التنظيم الذي كان في المستوى ورفع سقف التحدي عالياً، وأعطى الإشارة للجميع أننا كسبنا معركة إعداد كأس أفريقيا وجاهزون لمحطة تنظيم كأس العالم 2030. لقد أفرز النجاح خصوماً لا شك أن التفوق غاظهم وبالتالي لم يتقبلوا الأمر وظهروا بمستوى لا يشرف وكشف حقيقة أعدائنا وخصوم تفوقنا. كما أن التنظيم الناجح لا يضمن بالضرورة الفوز بالبطولة، فمنتخب السنغال لم يكن محتاجاً للفوضى وخلط الأوراق لينال الكأس، لكن تخوفه كان بادياً قبل المباراة وبالضبط في الندوة الصحفية، وهو أمر لم تلتقطه لا اللجنة المنظمة ولا البلد المستضيف، مما انعكس سلباً على أطوار المقابلة وشاهدنا صوراً لا تشرف القارة، بل رأينا كيف ضحى المغرب بالفوز مقابل ربح رهان التنظيم، وظهر جلياً أننا لازلنا متأخرين بكثير عن تدبير إشكالات علاقاتنا بالشكل الذي يقلل الخسائر. الملاحظ كذلك أننا لا نقف على فصل منهجي بين مراحل التدبير لتقييم كل مرحلة على حدة بمؤشرات واضحة، وتحميل المسؤولية لكل من تسببوا في الإخفاق على الأقل في شقه التعاقدي الواضح. اختلطت لدينا مشاعر فرح التنظيم بإحباط الهزيمة وضحينا بالعملية الثانية على حساب الأولى.
لكن الوطنية ليست انتماءً فقط، بل شعور مشترك نحو جغرافية مكان معين وتاريخ مشترك ومصير موحد لا مقايضة فيها ولا مصادرة. هو المقدس الذي لا نزاع حوله. ومطلوب منا جميعاً في لحظة الحسم أن ندافع عنه ولا مجال للحياد فيه. هو سر وجودنا وغاية رغبتنا، بل ومن مسؤوليتنا أن نزرعه في قلوب الأجيال الناشئة على وجه الخصوص بعيداً عن خطابات جوفاء وواقع مر يذكي لدى المواطن أسباب النفور منها. نريدها عبر سلوك مدني راقٍ ومسؤولية مواطنة، فمهما قسا الوطن علينا لن نجد عنه بديلاً، سنبقى فيه مهما ضاق العيش. هو المبتدأ والمنتهى وإليه نعود جميعاً مهما طال الزمن.






