رأي

المهدي كمال الحجام: حين تختبر الكرة خطاب الدولة...المغرب أكبر من النتيجة

كاتب

 

عقب نهاية نهائي كأس أمم إفريقيا، وما رافقه من تصرفات مشينة ونقاشات متباينة وردود فعل متسارعة، وجد المغرب نفسه مرة أخرى أمام امتحان يتجاوز النتيجة الرياضية إلى ما هو أعمق وأدق: امتحان الخطاب العمومي في لحظات التوتر والانفعال.

ففي خضمّ السجالات التي تتجدّد مع كل حدث رياضي أو سياسي، يعود إلى الواجهة سؤال مركزي لا علاقة له بالأسماء أو بالألقاب، بل بجوهر الاختيار الوطني: أي خطاب نريد للمغرب؟ خطاب الإنفعال ورد الفعل، أم خطاب الدولة التي تدرك موقعها، وتزن مسؤولياتها، وتدبر اختلافاتها ضمن أفق مؤسساتي واضح داخل محيط إقليمي ودولي معقد؟

المغرب لم يكن يومًا دولة تُدار بالعاطفة، ولا بلدًا تُختزل اختياراته الاستراتيجية في لحظة غضب أو نشوة عابرة. لقد اختار، منذ عقود، أن يبني صورته على الاستقرار، والتدرّج، واحترام المؤسسات، وأن يجعل من القانون والإدارة والقرار السيادي بوصلةً لكل سياساته العمومية، بما فيها الرياضة باعتبارها اليوم جزءًا من القوة الناعمة للدول.

ومن هذا المنظور، فإن النقاش حول السياسات الرياضية لا يمكن فصله عن السياق الأوسع الذي تتحرك فيه الدولة المغربية. فالمغرب لا يرى نفسه في موقع رد الفعل، بل في موقع الفعل والمبادرة، سواء داخل قارته أو خارجها. وهذا ما يفسّر اختياره الواضح لتعزيز شراكات جنوب–جنوب، القائمة على التعاون، وتبادل الخبرات، وبناء علاقات متوازنة لا تقوم على الوصاية ولا على الاستعلاء.

وإلى جانب هذا الاختيار الاستراتيجي، لا يمكن إغفال أن حضور المغرب في محيطه لم يكن يوما طارئا و ظرفيا، بل هو امتداد تاريخي لإسهام حضاري عميق شمل الفكر، والدين والعلم، والتجارة، والتفاعلات الانسانية والعلاقات الديبلوماسية.

فمنذ قرون، كان المغرب فضاء للالتقاء والتفاعل بين إفريقيا وأوروبا والعالم المتوسطي، وحلقة وصل مركزية ساهمت في نقل المعارف، وترسيخ قيم العيش المشترك، وبناء شبكات إنسانية واقتصادية وثقافية عابرة للحدود.

هذه الخلفية التاريخية هي التي صاغت خصوصية “الإنسية المغربية”، حيث يتعامل المواطن المغربي بانفتاح ومرونة واحترام مع مختلف الشعوب، ولا سيما داخل عمقه الإفريقي، بعيدا  عن عقد التفوق أو خطابات الإقصاء، ومنسجما مع ثقافة التعاون والتآزر.

ومن هذا المنطلق، يصبح النجاح التنظيمي الذي يعكس مستوى التطور الشامل للدولة، وقوة مؤسساتها، وكفاءة مواردها البشرية، وتماسك نسيجها الاجتماعي، أكثر دلالة وأعمق أثرا من مجرد إنجاز كروي عابر أو حتى التتويج بلقب قاري. فالمغرب حين ينجح في التنظيم، إنما يؤكد موقعه كدولة صاعدة تعرف كيف تجعل من الرياضة مرآة لتقدمها، لا هدفا في حد ذاته أو غاية تختزل مشروعها الوطني.

ولهذا، فإن أي انزلاق للنقاش العمومي نحو تعميمات جارحة أو خطابات إقصائية لا يمسّ طرفًا بعينه، بل يسيء أولًا إلى صورة المغرب نفسه، وإلى الرسالة التي يحملها كبلد للتعايش والانفتاح. فالمغرب لم يكن يومًا فضاءً للكراهية، ولن يسمح بأن تتحول المنافسة، أيا كان مجالها، إلى ذريعة لضرب قيمه أو التشكيك في ثوابته.

وفي هذا السياق، جاء البلاغ الصادر عن الديوان الملكي يوم الخميس 22 يناير الجاري ليؤكد، مرة أخرى، أن الرهان الحقيقي يتجاوز منطق الانتصار أو الإخفاق الرياضي إلى تثبيت صورة المغرب كدولة مسؤولة وقوة تنظيمية صاعدة داخل محيطها الإفريقي. فقد شدد البلاغ على أن النجاح الذي حققته المملكة هو ثمرة رؤية استراتيجية بعيدة المدى، وسياسة رياضية طموحة، وانخراط جماعي لمختلف مكونات الأمة، كما دعا، في الآن ذاته، إلى تجاوز لحظات الانفعال التي رافقت نهاية المباراة النهائية، والانتصار لقيم الأخوة الإفريقية والاحترام المتبادل. وهي رسالة واضحة مفادها أن المغرب، وهو يدبر الاختلافات والتوترات، يفعل ذلك بمنطق الدولة لا بمنطق رد الفعل، وبحس تاريخي يدرك أن إشعاعه القاري والدولي يُبنى بالهدوء، وبالوفاء لخياراته الاستراتيجية، لا بالانسياق وراء خطابات الضغينة أو التهييج.

في هذا الإطار، فإن تدبير الشأن الرياضي، بما فيه التجربة الناجحة الحالية، يُقرأ ضمن مسار مؤسساتي عام، يخضع للنقد والتقييم والمساءلة، لكنه لا يُختزل في منطق التخوين أو الشعبوية. فالاختلاف حول النتائج مشروع، أما المساس بخيارات الدولة أو استيراد خطابات ومفاهيم لا تنسجم مع هوية المغرب، فذلك خروج عن جوهر النقاش.

في المحصّلة، لا تقاس مكانة الدول بنتيجة مباراة أو بطولة قارية، بل بقدرتها على ضبط خطابها وحماية صورتها وإدارة اختلافاتها بعقل الدولة لا بمنطق الانفعال. والمغرب، وهو يراكم اختياراته ويكرسها بهدوء، يثبت أن الرهان الحقيقي ليس في الكأس، بل في النموذج: نموذج الاستقرار، والتنظيم، واحترام المؤسسات. ذلك هو جوهر القوة، وذلك هو الانتصار الذي لا يلغيه أي تعثر عابر.