حين انتقدتُ مصطفى بايتاس في أدائه كناطق رسمي، لم أفعل ذلك من باب تسجيل موقف، بل من موقع التحليل. كنت أقرأ مسارا سياسيا يوضع، منذ مدة، في موقع لا يخدمه. و أنا ابنة الجنوب من نفس الجيل و أدرك تماما من أين أتى بايتاس و ما كلفته مسيرته السياسية..و ما يقلقني في هذه الحالة ليس كفاءته التواصلية، بل طبيعة الدور الذي أُسند إليه داخل حكومة تعاني من ضعف في السردية ومن ارتفاع في كلفة القرار سياسيا.
و من منظور سياسي، فإن منصب الناطق الرسمي ليس موقعا محايدا. هو نقطة تماس بين السلطة والرأي العام، حيث تتحول القرارات إلى صور، وتتحول الصور إلى أحكام. في السياق المغربي الحالي، هذا الموقع صار نقطة استنزاف رمزي. كل توتر اجتماعي، كل ارتباك في السياسات العمومية، كل إخفاق في التنفيذ، يمر عبر هذا الصوت الواحد. وهذا ما يجعل حامل هذا الصوت يدفع، رمزيا، ثمن ما لا يملكه.
مصطفى بايتاس دخل هذا الموقع وهو يحمل رأسمالا سياسيا خاصا. جاء من مسار مجالي، من سياسة القرب، من تمثيل الهامش داخل المركز. هذه الخلفية منحته شرعية لا تتوفر لكثيرين داخل الحكومة. غير أن وظيفة الناطق الرسمي، في ظل هذه الحكومة تحديدا، تستهلك هذا الرصيد بدل أن تنميه. فالفاعل الذي يُعرَّف يوميا بصفته مبرّرا لسياسات مثيرة للجدل، يبدأ تدريجيا في الاندماج في صورتها العامة، مهما كانت نواياه أو كفاءته.
هذا ما أسميه خللا في التموقع. بايتاس، بخصائصه السياسية، أقرب إلى نموذج الوزير المنتج للسياسات، أو الفاعل المجالي الذي يبني شرعيته من الأثر، بينما وضعه منصبه الحالي في موقع دفاعي تفاعلي، محدود القدرة على صناعة صورة مستقلة. لهذا قلت مرارا إن بقاءه طويلا في هذا الدور سيؤثر سلبا في مساره.
ومع ذلك، لا أختزل هذه التجربة في بعدها الاستنزافي فقط. أرى أيضا ما تمنحه من معرفة استراتيجية. الاحتكاك اليومي بمنطق الدولة، بطريقة اشتغالها، بكيفية صياغة قراراتها وتدبير خطابها، يشكل مدرسة سياسية قاسية، لكنها ثمينة. من يخرج منها في الوقت المناسب، يمكن أن يعيد توظيف هذه المعرفة في بناء موقع سياسي أقوى.
سؤالي الحقيقي ليس ما إذا كان مصطفى بايتاس قد أخطأ، بل ما إذا كان سيعرف متى يعيد تموضعه. و أعلم أن القدرة في السياسة، على مغادرة موقع مُنهِك لا تقل أهمية عن القدرة على دخوله. الحكومات مراحل، أما المسارات السياسية فشيء آخر.
ومن هذا المنظور، ما زلت أرى في مصطفى بايتاس مشروع فاعل سياسي لم يُستنفد بعد، بل وُضع، حتى الآن، في وظيفة أعلى من قدرته على تحمّل كلفتها الرمزية فالناطق عن الخسارة ستلتصق به الخسارة..و أراه شابا يحاول ألا يخسر صورته القديمة وهو يعبر حقلا مليئا بالألغام.
و لذلك أراهن عليه و أنتظر خروجه من شرنقة سياسة الإستثمار و منطق الريع و عودته إلى السياسة المجالية و منطق القرب..
ولدنا ما نفرطو فيه..






