تحليل

تنمية تحت الضغط

علي الغنبوري (محلل اقتصادي)

من المؤكد ان المغرب اليوم، يعيش لحظة مفصلية في مساره التاريخي، حيث يتجه إلى إرساء نموذج تنموي جديد يقوم على إعادة هيكلة الاقتصاد، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وتقوية الرأسمال البشري، وذلك من خلال سلسلة من الإصلاحات الهيكلية الكبرى والمشاريع المهيكلة التي تمس البنية التحتية، والصناعة، والطاقة، والحماية الاجتماعية، والتعليم، والاستثمار، وهي إصلاحات لا يمكن حصر فهمها في بعدها التقني فقط، بل في بعدها الاستراتيجي الهادف إلى إحداث قفزة نوعية تجعل من المغرب بلدا صاعدا في أفق 2035، وفق أجندة واضحة وإرادة دولة تحظى بإجماع مختلف الفاعلين .


غير أن أي مشروع تنموي، مهما بلغت وجاهته النظرية وقوة دعمه السياسي، يظل رهينا بطبيعة البنية الاقتصادية التي يتحرك داخلها، فإذا كانت هذه البنية سليمة وقائمة على تنافس حر وشفاف، وإرادة نجاح من طرف الجميع، فإن النتائج تكون منسجمة مع الأهداف المعلنة، أما إذا كانت مختلة و معطوبة بفعل الاحتكار أو التواطؤ أو تركز الثروة في يد فاعلين محدودين، و في امتناع صريح على الانخراط في دينامية و اجندة التنمية التي تتوزع نتائجها على الجمعي بما تقتضيه من مسؤولية وطنية، فإن التنمية تتحول إلى عملية إنتاج غير متكافئ للثروة، أي إلى نمو دون عدالة، وهو ما يطرح سؤال جوهري حول من يستفيد فعلا من الدينامية الإصلاحية الجارية؟


في هذا الصدد يصبح من الضروري الربط بين المشاريع التنموية الكبرى وبين شروط البنية التي تستقبلها، فإطلاق أوراش كبرى في السكن أو البنيات التحتية أو الصناعة يفترض وجود بيئة استثمارية تنافسية تضمن انخفاض الكلفة، وتحسين الجودة، وتوسيع دائرة المستفيدين، غير أن الواقع يكشف ان هذه البنية الحاضنة تعاني من اختلالات واضحة في عدد من القطاعات، بما يؤكد أن هناك فجوة بين الرؤية التنموية من جهة، وواقع السوق من جهة أخرى.


هذا الواقع ليس فقط ناتج عن تحليلات و استنتاجات بل هو واقع ترسمه مختلف التقارير الرسمية التي تصدرها مؤسسات الحكامة حول مختلف القطاعات الاقتصادية الحيوية التي تشكل المحركات الرئيسية للاقتصاد المغربي، وحتى لا نغرق في التفصيل لنأخذ قطاعين أساسيين ، و لنبدأ بقطاع البناء، حيث أشار التقرير الأخير لمجلس المنافسة إلى مظاهر تركز وهيمنة تؤثر على مستوى أسعار مواد البناء، وتحد من فعالية المنافسة، وهو ما ينعكس مباشرة على كلفة المشاريع العمومية والخاصة، وبالتالي على أسعار السكن، وعلى كلفة الاستثمار الصناعي، أي أن كل درهم إضافي يفرض بفعل غياب التنافس الحقيقي، يتحمله المواطن أو المقاولة، فتتآكل القدرة الشرائية، وتتقلص فرص خلق الشغل، و تصبح التنمية مشلولة او تحت ضغط يمنع من تحقق أهدافها.


وينطبق المنطق نفسه على سوق المحروقات، حيث بينت تقارير المجلس وجود ممارسات تعطل آليات المنافسة السليمة، بما يؤدي إلى مستويات أسعار لا تعكس دائما التغيرات الدولية بشكل منصف، وهنا تتجلى العلاقة السببية بوضوح، فارتفاع أسعار المحروقات لا يؤثر فقط على السائق أو المستهلك المباشر، بل يطال كلفة النقل، والإنتاج الفلاحي، والصناعي، والخدماتي، أي أنه يرفع الكلفة العامة للاقتصاد، ويضغط على تنافسيته داخليا وخارجيا.


ومن هنا، يتأكد أن الضغط الذي يثقل كاهل المشروع التنموي لا يرتبط فقط بندرة الموارد أو بتقلبات الظرفية الدولية، بل ينبع أساسا من اختلالات بنيوية داخلية تعيق انتقال أثر النمو إلى النسيج الاجتماعي والاقتصادي، فحين تتحكم لوبيات محدودة في مدخلات إنتاج أساسية، وترتفع الكلفة بفعل ممارسات احتكارية أو شبه احتكارية، تصبح المقاولات الكبرى المتحكمة في هذه القطاعات، في وضعية امتناع طوعي عن التوسع وإعادة استثمار الأرباح ، كما تتباطأ وتيرة خلق مناصب الشغل، وهو ما يجعل معدل بطالة في حدود 13 في المئة رقما دالا على فجوة قائمة بين الطموح التنموي المعلن، والنتائج الفعلية المتحققة على أرض الواقع، رغم تعدد البرامج التحفيزية والمبادرات العمومية.

ان جوهر الإشكال لا يكمن في غياب الرؤية أو ضعف الإرادة الإصلاحية، بل في وجود أجندة موازية تتحرك داخل مفاصل الاقتصاد، وتتعامل مع الأوراش الكبرى باعتبارها مجالا لتعظيم الأرباح الخاصة بدل توسيع الأثر الاجتماعي، فتعمد إلى الاستئثار بالصفقات، والتحكم في سلاسل التوريد، وتعطيل آليات المنافسة، بما يفضي إلى مفارقة واضحة، حيث تضخ الدولة استثمارات كبرى، وتتحمل كلفة الإصلاح، غير أن جزءا مهما من عوائد هذا الجهد يتم امتصاصه من طرف فئة محدودة، بدل أن يتحول إلى رافعة لتحسين القدرة الشرائية، وتوسيع الطبقة الوسطى، وتعزيز العدالة الاقتصادية و المجالية .


لقد أفضى تراكم الامتيازات وتمركز النفوذ الاقتصادي في يد فئة محدودة إلى وضعية مختلة جعلت هذه الفئة تتحول بشكل تدريجي، من فاعل اقتصادي طبيعي إلى عنصر مثقل لمسار التنمية، فهي لا تكتفي بجني ثمار النمو، بل تعمل على تضييق مجال الاستفادة، وتغلق الأسواق أمام فاعلين جدد، وتحد من بروز مبادرات تنافسية قادرة على خلق القيمة وفرص الشغل، وهو ما يؤدي إلى إبطاء دينامية الاقتصاد الوطني، وإضعاف مبدأ تكافؤ الفرص، وترسيخ شعور عام بأن ثمار التنمية لا تتوزع وفق منطق عادل ومنصف.


إن النتيجة الطبيعية لهذا الاختلال تتمثل في تآكل منسوب الثقة، لأن المواطن حين لا يلمس أثرا مباشرا للاستثمارات الكبرى على قدرته الشرائية، أو على فرص الإدماج المهني، أو على جودة الخدمات العمومية، يبدأ في مساءلة جدوى المسار برمته، وهنا تتجلى خطورة الأجندة الموازية، إذ لا يقتصر تأثيرها على إضعاف نجاعة السياسات العمومية، بل يمتد إلى المساس بالرأسمال الرمزي للمشروع التنموي ذاته، بما يحمله ذلك من تداعيات على الاستقرار الاجتماعي وعلى التعبئة الجماعية الضرورية لإنجاح أي تحول تنموي عميق.


إن تحصين المسار التنموي لا يمكن أن يتحقق إلا عبر تفعيل فعلي وصارم لقوانين المنافسة، لا بوصفها نصوصا قانونية فقط، بل كآلية لضبط السوق وحماية التوازن الاقتصادي، وذلك من خلال تعزيز استقلالية وفعالية مؤسسات الضبط، وعلى رأسها مجلس المنافسة، وربط الولوج إلى الصفقات العمومية بمعايير الشفافية وتكافؤ الفرص والنجاعة الاقتصادية، فضلا عن فتح المجال أمام المقاولات الصغرى والمتوسطة للاندماج في سلاسل القيمة، بما يضمن توسيع قاعدة المستفيدين من الدينامية الاستثمارية، وتحويل النمو إلى أداة للإدماج الاجتماعي وتقليص الفوارق، بدل أن يظل آلية لإعادة إنتاج الامتيازات وترسيخ التمركز الاقتصادي.

إن المغرب يتوفر اليوم على رؤية استراتيجية واضحة، ويحظى بإجماع وطني حول أفق 2035 كموعد للتحول إلى بلد صاعد، غير أن ترجمة هذا الطموح إلى واقع ملموس تظل رهينة بإرساء سوق منضبط بقواعد عادلة، وفك الارتباط البنيوي بين التنمية والاحتكار، لأن التنمية حين تتحرر من الضغوط والمصالح الضيقة، تتحول من مشروع محدود الأثر تستفيد منه أقلية، إلى مشروع مجتمعي جامع، يخلق الثروة ويوزعها بشكل منصف، ويجعل من الارتقاء الاقتصادي والاجتماعي مسارا معيشا يشعر به المواطن في يومه، لا مجرد شعار يردده الخطاب الرسمي.