تحليل

​'جود' والسياسة.. حين ينطفئ مصباح 'الإحسان' بتبدل موازين النفوذ

الحسن زاين

​يطرح السكون والصمت المطبق اللذين خيما على أنشطة مؤسسة "جود للتنمية" خلال شهر رمضان الحالي علامات استفهام كبرى حول طبيعة هذا الكيان الذي ملأ الدنيا ضجيجاً لسنوات. فالمؤسسة التي كانت تتحرك في القرى والمدن بدقة تضاهي التنظيمات العسكرية، وتجوب قوافلها الزرقاء أصعب التضاريس، اختفت فجأة من المشهد الميداني، وكأن شريان حياتها انقطع بمجرد تبدل المناخ السياسي وتراجع وهج راعيها الأول عزيز أخنوش عقب تنحيه عن رئاسة حزب "الحمامة". 

هذا الغياب المفاجئ ليس مجرد استراحة، بل هو رسالة سياسية صارخة تكشف الهشاشة المؤسساتية لعمل خيري كان يسير جنباً إلى جنب مع أجندة التموقع الحزبي، ويقتات على زخم السلطة والنفوذ. إذ كشفت المعادلة الحالية بوضوح حجم التداخل الفج بين "القفة الرمضانية" والحسابات الانتخابية، حيث يرى مراقبون أن انكماش دور "جود" بمجرد تغير موازين القوى داخل الحزب القائد للائتلاف الحكومي، يؤكد أن العمل لم يكن مؤسسياً مستقلاً بقدر ما كان أداة تأثير ناعمة.

 وفي الوقت الذي يواجه فيه المغاربة تحديات اجتماعية وضغوطاً معيشية، غابت تلك الشبكات التي كانت تنشط بحيوية مفرطة حين كانت صناديق الاقتراع تلوح في الأفق، مما يعيد طرح السؤال الأخلاقي حول استغلال حاجة الفئات الهشة لتحقيق مآرب سياسية ضيقة تنتهي بانتهاء الغرض منها.

​وبالعودة إلى محطة الانتخابات التشريعية لسنة 2021، نجد أن المشهد السياسي المغربي عاش على وقع زلزال من الاتهامات التي طالت مؤسسة "جود"، حيث وُصفت بأنها الأداة المركزية لاستمالة أصوات الناخبين عبر "الإحسان العمومي". وقد تفجر الجدل آنذاك بعد تواتر صور ومقاطع فيديو وثقت تجاوزات خطيرة، كان أبرزها رصد شاحنة تابعة لجماعة "تيوغزة" بإقليم سيدي إفني وهي تفرغ مساعدات الجمعية أمام منزل عائلة الوزير مصطفى بايتاس، إضافة إلى اعتراض مستشار ببلدية "تنوردي" بإقليم ميدلت لشاحنة رسمية محملة بقفف المؤسسة، مما عكس استغلالاً صريحاً لآليات ومعدات الدولة في خدمة أجندة جمعية موالية للحزب المتصدر للانتخابات.

​هذا التوظيف السياسي للعمل التضامني أثار حفيظة الفرقاء السياسيين الذين نددوا بما وصفوه "رشاوى انتخابية" مغلفة بخطاب إحساني، حيث خرج قادة أحزاب "الأصالة والمعاصرة" و"التقدم والاشتراكية" و"الاستقلال" ببيانات نارية تتهم حزب أخنوش بخرق شروط المنافسة الشريفة. فقد اعتبر عبد اللطيف وهبي حينها أن "جود" هي وسيلة لافساد العملية الانتخابية عبر "المال السياسي"، بينما طالب حزب "الكتاب" السلطات العمومية بالتدخل لوقف استغلال الفقر في التنافس الحزبي، ونبه حزب "الميزان" إلى خطورة تسخير المساعدات المشروطة بالانتماء السياسي، وهو ما جعل من "القفة" عنواناً لأكبر صراع حول نزاهة الانتخابات في تاريخ المغرب الحديث.

​إن حكاية "جود" في رمضان الحالي تحولت إلى مرآة تعكس كيف يمكن للعمل الإحساني أن يتحول إلى جزء من هندسة النفوذ، ثم يتراجع بنفس السرعة عندما تتغير مراكز القرار وتتبدل الأولويات السياسية. فالصورة الأوضح اليوم تقول إن الضوء الذي كان ينبعث من القوافل الزرقاء لم يكن نابعاً من إرادة اجتماعية مستدامة، بل كان انعكاساً لبروجيكتورات السياسة التي عندما انطفأت أو غيرت اتجاهها، تركت الأحياء التي اعتادت الحضور المكثف تواجه فراغاً موحشاً.