تبدو برامج الإصلاح التربوي، مثل مدارس الريادة وبرنامج التدريس حسب المستوى الفعلي طارل، على الورق كمشاريع طموحة تهدف إلى تحسين جودة التعليم الابتدائي، لدرجة أن برادة زعم أن ألمانيا وفرنسا تريد الاستفادة من ريادة الفشل التربوي المغربي.
الواقع الميداني يعكس حقيقة مرة: فشل ملموس، وتلاميذ يخرجون من "المدرسة الرائدة" وهم عاجزون عن التحكم في التعلمات الأساس إلا بنسبة تقارب 40 في المئة، فيما يتعثر أكثر من 60 في المئة في أبسط الكفايات التي تتغنى بها البلاغات الرسمية...
هذه النسبة وحدها تكفي لتقول لبرادة إن النموذج الذي يقدمه للعالم على أنه تجربة رائدة لا يصمد أمام جملة بسيطة في كتاب القراءة أو مسألة قسمة في حجرة درس مكتظة.
خبراء التعليم الذين تابعوا تنفيذ طارل يقرون بأن البرنامج ولد مثقلا بعيب في التصميم قبل أن يصل إلى القسم بالتركيز على الكم في الساعات والحصص واللوجستيك، وعلى التقويمات الشكلية القبلية والبعدية، أكثر من التركيز على جوهر العملية التعليمية للتعلمية وسؤال الجودة وشمولية التقويم، فبناء كفايات حقيقية عند المتعلمين لا يعني هذا الإنزال اللوجستيكي بقدر ما يعني طرح الأسئلة الحقيقية حول أسباب التعثر التي قد تتجاوز الرؤية البيداغوجية الضيفة والفعل الديداكتكي.
التقييمات الأخيرة لم تظهر القفزة الموعودة في الفرنسية والرياضيات، واستمر الضعف في العربية، بينما استمرت الوزارة في الحديث عن "تحسن ملحوظ" و"أثر إيجابي"، كأن المشكلة في عين الأستاذ الذي يرى التلميذ متعثرا لا في النموذج الذي يطالبه بأن يوقع على نجاحه. هكذا بدا طارل في عيون كثير من المدرسين رؤية مكتبية نازلة من فوق، لا مشروع دعم ينهض من واقع القسم.
أما مدارس الريادة، جوهرة التاج في خطاب الإصلاح الجديد، فقصتها أكثر سخرية. الإسم يوحي بمدرسة متفوقة، رائدة، تحتذى، لكن الواقع يكشف تفاوتات حادة بين المؤسسات وبين المديريات والأكاديميات، حيث تبقى المستويات الرابع والخامس والسادس الحلقة الأضعف رغم كل الضجيج حول "تحسين التعلمات الأساس". تلاميذ بلا كتب أو بمقررات وصلت متأخرة أو منقوصة، أساتذة يشتغلون بأوراق متناثرة وموارد رقمية هجينة، وإدارة تطلب أرقاماً مطمئنة لتقديمها في التقارير. في هذه الأجواء، تتحول "المدرسة الرائدة" إلى ديكور فوق أزمة عميقة، وإلى لافتة تعلق على باب مؤسسة تعيش نفس أعطاب المدرسة العمومية التي قيل إنها جاءت لإنقاذها.
الأزمة التعليمية تمتد بسلاسة وصمت. نحمل كالعادة الأساتذة فوق ما يطيقون، وهم الذين حملوا على عاتقهم تنفيذ الدعم المؤسساتي ضمن طارل طيلة موسم 2024/2025، وتحملوا ضغط الجداول والكتلة الزمنية المخنوقة، فوجدوا أنفسهم في نهاية المطاف يطاردون تعويضات لم تصرف، كيف تطلب يا برادة من أستاذ أن يصدق خطاب "الريادة" وهو يكتشف أن الإصلاح يعني عمليا المزيد من العمل والمراقبة والتقارير، مع مزيد من الغموض والتأخير في حقوقه؟ مقاومة بعض الأساتذة لصيغة الدعم المكثف في هذه الظروف ليست تمردا على المهنة، بل رد فعل طبيعي على إدارة تتعامل معهم كأداة تنفيذ لا شريكاً في الإصلاح.
في مستوى آخر، طريقة متابعة البرنامج لا تقل عبثية عن تصميمه. بدلا من رقابة تأطيرية لا زجرية وميدانية جدية وتحليل عميق للنتائج، يكتفى بإنتاج أرقام مركزية وإحصاءات ناعمة لا تعكس ما يجري فعلاً في حجرة الدرس. يتواصل التركيز على الصور الملتقطة في الأقسام المزوقة، وعلى العروض التي تُقدم لشركاء دوليين عن "النموذج المغربي"، بينما يتعثر التلميذ في مدرسة رائدة في قراءة فقرة أو حل مسألة، وتلاحق الأسرة والأساتذة نفس السؤال البسيط: أين هو هذا التحسن الذي يتحدث عنه الوزير؟ حين تصبح العلاقات العامة أقوى من البيداغوجيا، وحين يصرف الجهد في تلميع الصورة أكثر مما يصرف في معالجة الجرح، يتحول الإصلاح إلى مسرحية مكلفة والجمهور الوحيد الذي لا يُستشار فيها هو من يفترض أنه بطلها: التلميذ والمعلم.
لهذا، فإن أي حديث عن إصلاح حقيقي عبر تعويذة طارل و تميمة مدارس الريادة لا يمكن أن يبدأ من تغيير الشعارات أو إعادة صياغة البلاغات، بل من إعادة بناء التصميم البيداغوجي على مقاس حاجات التلاميذ الفعلية، مع متابعة لصيقة لكل مؤسسة، ودعم حقيقي للأساتذة من حيث التكوين والوسائل والحقوق المالية. ما لم يحدث ذلك، سيظل يا برادة ما تقدمه للرأي العام تجربة رائدة في شيء واحد فقط: تحويل المدرسة إلى واجهة خطاب سياسي، بينما يواصل التلميذ المغربي نضاله اليومي لفهم الأساسيات، ويواصل الأستاذ اكتشاف أن الريادة الحقيقية تم تحقيقها في إنتاج الكلام لا في إنتاج التعلم.






