في الوقت الذي ترفع فيه الحكومة شعار "الدولة الاجتماعية" ويروج إعلامها لحرصها على حماية القدرة الشرائية للمواطن البسيط، تضع المعطيات والأرقام التي كشف عنها فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، تساؤلات حارقة حول "العدالة التوزيعية" لهذا الدعم، وتكشف عن ثقوب واسعة في منظومة المقاصة تستفيد منها جهات ليست هي الأولى بالرعاية.
كرم حكومي.. ولكن في الاتجاه الخطأ؟
المعطيات الرسمية الصادمة تشير إلى أن 55% فقط من استهلاك غاز البوطان يذهب للاستعمالات المنزلية، أي أن ما يقارب نصف الدعم العمومي يذهب "خارج المطبخ المغربي". ما يعني أن الدولة، وفي ظل تحملها لـ 78 درهماً عن كل قنينة غاز وبتكلفة شهرية تصل إلى 600 مليون درهم، تدعم بطريقة مباشرة وغير مباشرة أنشطة ربحية كبرى.
فبينما يصارع المواطن البسيط الغلاء لتأمين لقمة العيش، يجد كبار أصحاب الضيعات الفلاحية، ومنتجي الدواجن، والفنادق المصنفة والمطاعم، في "البوطان" المدعم وقوداً رخيصاً لزيادة هوامش أرباحهم، مستفيدين من أموال عمومية كان من المفترض أن توجّه حصراً للفئات الهشة والفقيرة.
مفارقة الرفض الحكومي: لمن تفتح المظلة؟
الغريب في الموقف الحكومي ليس فقط الإقرار بهذا الخلل البنيوي، بل "الرفض القاطع" لكل المقترحات التي ترمي إلى حصر الدعم في الغاز المخصص للاستهلاك المنزلي. ويطرح هذا الموقف تساؤلات مشروعة حول النجاعة المالية، إذ كيف يمكن الحديث عن حكامة في تدبير الميزانية بينما يتم هدر ملايير الدراهم على قطاعات منتجة قادرة على تحمل تكلفة طاقتها، مما يجعل الدعم يحيد عن سكته الاجتماعية ليتحول إلى ريع طاقي يستفيد منه الميسورون قبل المعوزين.
ويبدو من خلال هذا الإصرار أن الحكومة تخشى المواجهة المباشرة مع "اللوبيات" المستفيدة من هذا الدعم المقنع، مفضلةً الحلول السهلة التي تخلط بين "الحاجة الاجتماعية" الملحة و"المنفعة التجارية" الصرفة.
إن هذا الخلط العجيب يضرب في العمق مفهوم الاستهداف المباشر الذي لطالما تروج له الحكومة كخيار استراتيجي لإصلاح صندوق المقاصة، مما يكرس وضعاً شاذاً تمول فيه ميزانية الدولة أرباح الاستثمارات الكبرى بعباءة حماية القدرة الشرائية للأسر.
توقف الزيادات.. هل هو تراجع أم عجز؟
وإلى جانب كل هذا، وبعد قرار الرفع التدريجي للدعم بزيادة 10 دراهم في أبريل 2024، توقفت الحكومة عن إقرار زيادات جديدة كانت مبرمجة سلفاً. وهذا التوقف، وإن بدا في ظاهره رحمة بالمستهلك وتفادياً للاحتقان، إلا أنه في العمق يكرس استمرار النزيف المالي لفائدة القطاعات الإنتاجية غير المنزلية، حيث تستمر الدولة في استنزاف ميزانيتها بمقدار 78 درهماً لكل قنينة تذهب نسبة كبيرة منها لسقي الأشجار المثمرة في الضيعات الكبرى وتدفئة وحدات الإنتاج الضخمة، دون أن تجد الحكومة الجرأة الكافية للفصل بين القنينة التي تطهو طعام الفقير وتلك التي تدير عجلات الثروة لدى كبار المنتجين.
إن الاستمرار في دعم "البوطان" لجميع الفئات والقطاعات هو سياسة تفتقر للوضوح الاقتصادي والإنصاف الاجتماعي.
كما يجب التأكيد على أن "تجميد" الزيادات لا يحل المشكلة الجوهرية، بل يغطي على واقع مرير يستمر فيه كبار الملاك والشركات في مراكمة الأرباح من جيوب دافعي الضرائب. فإلى متى ستظل الحكومة ترفض حصر الدعم في الغاز المنزلي، تاركةً المجال مفتوحاً أمام استنزاف مقدرات الدولة من طرف جهات تملك كل الإمكانيات لدفع فاتوراتها أو الانتقال إلى بدائل طاقية أخرى؟






