هاهو الدم قد سال، وها هي الخسائر المادية والبشرية تتفاقم أمام أعين الجميع، دون أن يظهر رئيس حكومتنا ذو التركيبة الثلاثية ليتحمل مسؤوليته المباشرة. اختار بدل ذلك أن يختبئ وراء وساطة غير قانونية وغير ديمقراطية، وغير منصوص عليها دستوريا اسمها لجنة تنسيق الأغلبية، ليصدر من خلالها بلاغاً يعيدنا إلى منطق القرون الوسطى، كأننا شعب يحتاج إلى تلقين وتذكير او اعادة اترابي كما سبق وسماها دون حجل ولا وجل .
لكن المغرب اليوم ليس كما يتوهمون؛ فجيله الجديد بل واجياله جميعها ما زالت رغم نكبات الزمن تغامر في حب الوطن والبلد وثوابت البلد و ليس جيل رقم لقيط ، بل هو جيل زيد الخارج من فوهة التكنولوجيا المتشبع بها والمستوعب لآلياتها، جيل واع متعلم، لا أمي. جيل انسل من قمامة الإعلام المسلط علينا، إعلام التفاهة والتضليل ليبني وعيه بنفسه، ويعرف كيف يواجه الخطاب المزيف ويفكك التضليل. إنه جيل لا يُخاطب ببيانات خشبية، بل يريد حواراً مباشراً ومسؤولاً مع من يحتكرون الحكومة والقرار داخلها . وحدها وزارة الداخلية كانت لها شجاعة الحديث باسم من وجدوا في فوهة بركان إنفاذ القانون اي رجال الأمن والدرك، والقوات المساعدة، والسلطات المحلية، وحتى عناصر الوقاية المدنية خرجت الداخلية من صمت الحكومة المحنطة، وأذلت ببيان رسمي على لسان ناطقها، قدم معطيات تقنية دقيقة عن طبيعة الإصابات في الإنسان والبنيان، وعن حجم الأضرار والخسائر.
بيان الداخلية لم يكتف بالتوصيف، بل كشف بما لا يدع مجالاً للشك عن وجود تجاوزات، وعن اندلاع حرائق وهجمات متفرقة، كما أستشف منه بوضوح أن المدن الكبرى عرفت أكبر حضور جماهيري وأكثر سلمية ولم تسجل حالات ازياج عن القانون وذلك بلغة الارقام والمعطيات الدقيقة، بينما المناطق النائية شهدت اصطدامات عنيفة وخسائر فادحة.
قد تستمر المناوشات هنا وهناك، مع بعض الاستفزازات وتسرب عناصر الشغب وسط حركة شبابية تفتقر للخبرة والتجربة في ميدان تنظيم وتدبير الاحتجاجات السلمية في وقت ارغمت الاحزاب والنقابات الوطنية من تاطير وتكوين الشباب وتركه عرضة للتضبيع . ورغم نداءات الشباب وحرصهم على سلمية تحركاتهم، وقعت مواجهات واعتقالات بالعشرات، في وقت نحن أحوج فيه إلى تبييض السجون المغربية، لأن الوطن يحتاج لكل أبنائه وبناته، حتى من ارتكبوا الأخطاء والجنح فالوطن رحيم وبه مؤسسات يجمع عليها المغاربة هي من لها حق حسم مسار البلد بحكم صلاحياتها الدستورية والرمزية ، فما بالك بمن خرج ليعبر عن صوته.
رسالة الشباب وصلت واضحة، لكن ما صدمني شخصياً، وصدم جيلي الذي شاخ، هو الصمت وغياب الحكومة عن المشهد. أما الشباب أنفسهم، فلم يصد موا بقدر ما تهكموا على حكومة حولت نفسها إلى جهاز لتوزيع الريع والصفقات، ومؤسسة تدبير بالمحسوبية والزبونية حكومة جعلت من يوم الخميس بورصة رسمية لتداول المناصب والمكاسب في كل القطاعات التي طالتها أيديها، لكنها لا تُوزّع بالعدل والقسطاس، بل على المنتسبين إليها ومن يدور في فلكها.
لقد تأكد للرأي العام أن بعض الوزراء، وخاصة المسؤولين عن قطاعات الشباب والصحة والتعليم والتشغيل، يعيشون في عالم آخر، منفصل تماماً عن الكفاءة والإنجاز. إن تدبيج الخطب والبيانات لا يصنع سياسة عمومية للشباب ولا يخلق أملاً في المستقبل، ولا يزرع الحد الأدنى من التشبث بالوطن.فشبابنا اليوم يدرك أن قوارب الموت نفسها لم تعد قادرة على غرق راكبيها، بينما حكومتنا تغرق أبناء الوطن في اليأس والانسداد. إنها حكومة ولدت من رحم ربيع انتخابي مزيف يدرس ويستحق اليوم ان يدرس في كليات التاريخ كظاهرة سياسية عابرة، لكنها عاجزة عن أن تتحول إلى مشروع وطني أو حتى إلى إدارة كفؤة لشؤون الناس.
نحن اليوم أمام النتيجة الحتمية لسياسة تعويض السياسيين والكفاءات الوطنية بـ "كومبارسات " تمارس الرقص خلف ستار السياسة، بلا روح ولا رؤية ولا بعد وطني. فالذين يتبجحون اليوم ويتطاوسون على الشعب وعلى قضاياه، هم أنفسهم من أججوا الاحتجاجات بممارساتهم وسلوكياتهم وأقوالهم وحتى أفعالهم.
إن دور النيابات العامة اليوم يجب أن يكون محاسبة الجميع، بلا استثناء: كل من ثبت تورطه في الاعتداء على المال العام، وكل من دخل الأغلبية السياسية فقيراً إلى ربه ثم تحول بين عشية وضحاها إلى علامة تجارية، أو شركة، أو كيان يتداول الملايير.
فالمال العام ليس مباحاً، بل هو مال الشعب، وتجب صيانته وحمايته من العبث ومن أيدي العابثين.
إن الأزمة التي نعيشها اليوم ليست أزمة احتجاجات عابرة، بل هي أزمة ثقة عميقة بين الشعب وحكومته. فالمغاربة لا يطالبون بالمستحيل، بل فقط بحد أدنى من الكرامة والعدالة والشفافية والحكومة التي تفشل في منح هذا الحد الأدنى، وتستمر في التمويه والتدليس، إنما تكتب شهادة عجزها بنفسها. فإما أن ترحل او ترحل مسارها بشجاعة ومسؤولية، أو أن التاريخ سيلفظها كما لفظ من قبلها، ويبقى الشعب وحده صاحب الكلمة الأخيرة






