قضايا

من رفض التصريح بالممتلكات إلى "الالتفاف" على قانون "الإثراء غير المشروع"

مصطفى الفن (صحفي)

في آخر عرض لها بقبة البرلمان، كشفت رئيسة المجلس الأعلى للحسابات عن رقم دال وهو أن أكثر من 5 آلاف منتخب لم يصرحوا بممتلكاتهم وأن المجلس الذي ترأسه بعث "إنذارات" لهؤلاء المنتخبين..

لكن ما لم تقله رئيسة هذا المجلس الموقر هو أن هذه "الإنذارات" تبقى مجرد إجراءات شكلية وليست لها أي مفعول حتى لا أقول إن هذه "الإنذارات" هي مجرد تبديد للوقت وللجهد وربما للمال العام أيضا..

وقبل أن أخوض في شرح هذه القضية، دعوني أذكر بواقعة مماثلة سبق فيها للمجلس الأعلى للحسابات أن كشف عن وجود "أربعة برلمانيين رفضوا رفضوا التصريح بممتلكاتهم"..

بل إن هذه الواقعة تضمنها تقرير رفعته رئيسة المجلس الأعلى للحسابات نفسها إلى أعلى سلطة في البلد..

لكن ماذا وقع بعد هذا "الرفض" وهذا "التمرد" على القانون، الذي "تزعمه" أربعة برلمانيين؟

لا شيء وقع في أرض الله الواسعة..

كل ما حصل هو أن رئاسة المجلس الأعلى للحسابات بعثت إلى هؤلاء البرلمانيين الأربعة "إنذارات" شكلية تدعوهم إلى التصريح بممتلكاتهم لا غير..

بل إن رئاسة المجلس الأعلى للحسابات راسلت حتى رئاسة مجلس النواب لتتوسل إلى هؤلاء البرلمانيين لعلهم يصرحون بممتلكاتهم..

وظني أن هؤلاء البرلمانيين الأربعة ومعهم هؤلاء ال5 آلاف من المنتخبين فعلوا خيرا عندما رفضوا التصريح بممتلكاتهم وعندما أعلنوا "تمردهم" على هذا القانون..

لماذا؟

لأنه ما جدوى التصريح بالممتلكات إذا كان القانون لا يفرض أي عقوبة على أي منتخب رفض التصريح بممتلكاته؟..

كما أنه ما جدوى التصريح بالممتلكات إذا كان القانون لا يقرنه بمصادرة أموال المنتخبين الذين اغتنوا في ظروف غامضة بعد تولي المسؤولية؟..

وليس هولاء ال5000 منتخب أو البرلمانيون الأربعة وحدهم من رفضوا التصريح بممتلكاتهم..

ملزمون كثر من مؤسسات عمومية أخرى رفضوا هم أيضا التصريح بممتلكاتهم فقط لأن القانون "مسامح كريم" ولا يدخل في التفاصيل ولعبة "السين والجيم"..

وهذا في حد ذاته ثقب قانوني خطير "يشجع" على الفساد المالي وعلى الإثراء غير المشروع وربما "يشجع" أيضا حتى على ما يمكن أن نسميه "مأسسة الإثراء غير المشروع"..

لكن لا بد من التذكير هنا بأن هناك من انتبه مبكرا إلى هذا الثقب المالي القانوني الذي تتسرب منه كل "الآفات" و"البرد" أيضا..

بل إن البعض سارع حينها إلى اقتراح مقتضيات في القانون الجنائي عنوانها العريض هو إغلاق هذا "الثقب" المالي وتجريم الإثراء غير المشروع..

وطبعا هذا هو المفروض والطبيعي إذا ما أردنا أن يصبح للتصريح بالممتلكات معنى وأن يصبح له طعم ورائحة..

وفعلا فقد تضمنت النسخة الأولى من قانون الإثراء غير المشروع عقوبات سالبة للحرية ابتدأت بثلاث سنوات حبسا نافذا قبل أن ترفع هذه العقوبة إلى خمس سنوات سجنا نافذا..

وليس هذا فحسب، ذلك أن الأمور وصلت إلى حد إرفاق هذه العقوبات السالبة للحرية بعقوبات أخرى تقضي بمصادرة الأموال مع الغرامة..

لكن عندما جد الجد وطرح هذا القانون داخل مجلس حكومي "عاصف" فإن الذي "انتفض" ضده ليس إلا السيد عزيز أخنوش وزير الفلاحة آنذاك والذي ليس إلا الرئيس الحالي للحكومة الحالية.

وجاءت "انتفاضة" وزيرنا في الفلاحة وقتها على هذا الشكل:

"إذا مر هذا القانون فسيتم استغلاله من طرف البعض لتصفية الحسابات ضد البعض الآخر.."..

وهكذا ولد هذا القانون ميتا وأجريت عليه "حمية" أفرغته من محتواه وظل "مهملا" بقبة البرلمان قبل أن يتم سحبه مع مجيء هذه الحكومة الموقرة..