مجتمع وحوداث

كيف تعي المحاماة ذاتها بذاتها؟ وهل من عزيمة حتى نزعم أننا قادمون؟

مصطفى المنوزي ( حقوقي )

تستوقفني في العبارة التي ينسبها المقال إلى صمويل بيكيت، «أقول أنا، وأنا أعلم أنه ليس أنا»، تلك المسافة بين الذات والصورة التي تتكلم باسمها ؛ ولعلّ للمحاماة نصيباً من هذه المفارقة كلما قالت «نحن». فمن يتكلم حين تتكلم المهنة؟ وكم من تجارب المحاميات والمحامين يجد مكانه في هذا الضمير؟ أيمكن أن نزعم أننا نعرف أنفسنا، وفي حديثنا عن المهنة أصواتٌ نسمع صداها أكثر مما نسمع أصحابها؟

أخشى، وأنا أقول «نحن المحامون»، أن أستدعي أحياناً صورة المهنة كما أحببتها في لحظات عزّها، فيما تجري تحت نافذتي حياةٌ مهنية لا يبلغني منها إلا القليل. أعرف ما نقوله عن استقلال الدفاع، فهل أعرف ما يكلّف هذا الاستقلال محاميةً في أول الطريق، حين تضيق عليها مهلة إعداد دفاعها، ويصعب عليها أن تجد من تستشيره، وتثقل عليها كلفة الممارسة؟ وأعرف ما أقوله عن حق المتقاضي في فهم ما يجري في قضيته، فهل أعرف ماذا فهم موكّلي من المسطرة بعد أن غادر مكتبي، وأيَّ قدر من الاختيار أتاحه له شرحي؟

تعرف المحاماة ذاتها حين ترى شروط ممارستها كما هي ؛ وتعي ذاتها حين تفهم كيف نشأت تلك الشروط، وما نصيبها في صنعها، وما الذي تملك تغييره فيها؛ فإذا تكرّرت صعوبة في إعداد الدفاع، فكيف نردّها كل مرة إلى قصور فردي، وقد تتصل بطريقة تنظيم العمل، أو بصعوبة الوصول إلى المعرفة، أو بتباين تطبيق مسطرة جديدة؟ وكيف نقيس اقتدارنا المهني قبل أن نفهم أسباب وضعنا وهشاشتنا، ونعرف من يتحمّل كلفتها في المكاتب وأمام المحاكم؟

وللمهنة في ذاكرتها ما يعينها على هذا الفهم، إن جرؤت على فتح دفاترها عند الصفحات التي تؤلمها أيضاً ؛نستعيد لحظات التضامن بفخر، فماذا صنعنا بما تكشّف في لحظات التعثّر؟ هل عدنا، بعد المعركة المهنية الأخيرة، إلى ما أحسنّا تقديره وما فاتنا، وإلى ما فهمه المتقاضون من موقفنا وما ترتّب على اختياراتنا؟ أخشى أن نزور ذاكرتنا كما تُزار قاعة الصور، فنقف طويلاً أمام الوجوه التي نحبها ونمرّ مسرعين أمام الأسئلة التي تركتها لنا ؛ ولعلّ من الوفاء لتلك الوجوه أن نجد لأسئلتها مكاناً في قراراتنا المقبلة.

أما أن تعي المحاماة ذاتها بذاتها، فمعناه أن تتولّى صياغة أسئلتها وإنتاج معرفتها بشروط عملها، وأن تُشرك في ذلك من يعيشون المهنة على اختلاف مواقعهم وأجيالهم، وأن تُصغي إلى جميع المتقاضين في ما تكشفه تجربتهم عن قدرتهم على فهم حقوقهم وممارستها. وهنا تظهر قيمة التنظيم الذاتي ؛ فما يتفرّق اليوم بين المكاتب من ملاحظات على أثر نصّ جديد أو تباين في تطبيقه، يمكن أن يصبح، بالتوثيق والفحص والنقاش، معرفةً تستند إليها الهيئة في التكوين والحوار المؤسسي والاقتراح التشريعي، ويستند إليها المجلس في قراراته. ويبقى لهذه المعرفة امتحانها بعد القرار : هل خفّت الصعوبة فعلاً، ومن لمس الفرق؟

وعند هذا السؤال يعود إليّ إحساسٌ غريب ؛ فكلما سألت نفسي عمّا قدّمته للمحاماة، بدا لي كم بقي ممّا كنت أودّ أن أبذله لها، بما يرضيني ويستجيب لما تنتظره مني زميلاتي وزملائي. وكيف يستقيم أن أدعو المهنة إلى مساءلة ذاتها، ثم أعفي نفسي من سؤال عمّا أستطيع تقديمه ؟ لعلّ من واجبي أن أنحت من صخر التجربة لبنةً، أضعها إلى جانب لبنات سائر مكوّنات الجسم المهني، في تشييد مفهوم حديث لرسالة الدفاع.

ومن هنا، ومساهمةً منّي، بكلّ غيرة على المهنة وتواضع، في تدبير هذه المرحلة الانتقالية، أقترح إحداث مرصد لأثر التشريعات والعمل القضائي ومركز للذاكرة المهنية والتوثيق وحقوق الإنسان داخل هيئة المحامين بالدار البيضاء، وربط عملهما بآلية تنسيق مشتركة تحت إشراف النقيب ومجلس الهيئة، في إطار تكامل أدوارهما.

وتنبع أولوية المشروعين من دروس التجربة الأخيرة والمعركة المهنية التي رافقتها وتداعياتها. فالمرحلة الانتقالية تقتضي أن نجمع بين الاقتدار المهني في التعامل مع النصوص الجديدة وصعوبات تطبيقها، والاستشراف والتوقّع لتقدير آثارها على المهنة وحقوق الدفاع والولوج إلى العدالة. وللمرصد أن يتتبّع ما تُحدثه النصوص وتطبيقاتها في الممارسة اليومية، وللمركز أن يجمع ما تفرّق من وثائق وشهادات وتجارب، وأن يتيح قراءة الذاكرة المهنية في صلتها بحقوق الإنسان. وبتكامل عملهما، تستطيع الهيئة أن تستعين بما تعلّمته من تجربتها على فهم ما يجري اليوم والاستعداد لما قد يطرأ غداً.

وأضع المشروعين، وهما في طور استكمال صياغتهما، بين أيدي زميلاتي وزملائي للتداول والإغناء. ففي خبرتهم، على اختلاف أجيالهم ومجالات ممارستهم، مادةُ معرفةٍ مشتركة. ولعلّ أول ما نختبر به قيمة هذه المعرفة أن نستطيع تسمية صعوبة طالما ألفناها، والإصغاء إلى من يتحمّل كلفتها، ثم مراجعة قرار أو عادة مهنية أسهما في استمرارها.

فهل من عزيمة حتى نزعم أننا قادمون؟

أرجو أن تجد هذه اللبنة مكانها بين لبناتكم، وأن يظهر أثر ما نبنيه معاً في الموضع الذي تُختبر فيه رسالة الدفاع كل يوم. هناك، حين يجد زميلٌ في أول الطريق عوناً كان يفتقده، وحين يخرج متقاضٍ من مكتبنا وهو يفهم ما ينتظره ويملك من المعرفة ما يعينه على الاختيار، يكون في وسعنا أن نقول، بصوت أهدأ، إننا خطونا خطوة.