المغرب الذي كان قد مر على تدشينه عهدا جديدا واعدا ، بدوره تملل فيه الشارع بهدوء ومسؤولية للدفع بمسلسل الاصلاح الذي تربع على رأسه الإصلاح الدستوري . فكانت حركة 20 فبراير بدفتر مطالبها، و كان الخطاب الملكي يوم 9 مارس الذي جاء تفاعلا مع نبض الشارع الراقي و الحضاري في حراكه. و كانت حكومة عباس الفاسي و هي تلتقط الرسالة الملكية في الموعد فبادرت بمجالسة المركزيات النقابية و تلبية روزنامة من المطالب التي حملتها دفاترها ، كان لها الأثر الملموس في تحسين مستوى عيش الشغيلة المغربية .
من بين ما تمخض من مخرجات عن الحوار الاجتماعي الذي جرت أطواره في خضم حراك الشارع المغربي، و توالي التحضير فوق نار هادئة لإصلاح دستوري واعد ، سيتم الاعلان عشية احتفال الطبة العاملة بيومها الحقوقي الأممي (فاتح ماي) عن تتويج جلسات الحكومة مع المركزيات النقابية ، بالتوقيع على اتفاق ما أصبح معروفا ب " اتفاق 26 أبريل 2011" . اتفاق لعب دورا في بناء الثقة بين الفرقاء ، كما ساهم في مد جسر من بين جسور أخرى من أجل فيض من التعبئة لتوفير البيئة الحاضنة لانجاح مسلسل الاصلاح السياسي والدستوري ، الذي سيتوج بالمصادقة في شهر يوليوز على الدستور الجديد الذي وسع من مساحة الحقوق كما هي متعارف عليها كونيا .
اليوم يعود من جديد اتفاق 26 أبريل 2011 للواجهة ، وليس السبب غير تذكير ضحاياه الحكومة الجديدة بتنصل ثلاثة حكومات من تنزيل ما جاء فيه ، ودعوتها و هي تنطلق في عملها باستحضار السياق الذي تمت فيه المصادقة على هذا الاتفاق الذي كان له ما كان في التأطير الايجابي للفترة الحرجة التي عاشتها بلادنا أنداك.
أول ضحايا تعليق الحكومات المتعاقبة تفعيل الاتفاق المذكور هم نساء ورجال التعليم ( ابتدائي ، اعدادي ، أطر ادارية ...) الذين استوفوا شروط الترقي للدرجة الممتازة (خارج السلم) كما جاء بهذا التعديل الذي حمله اتفاق 26 أبريل 2011 الذي طالما ناضلت الشغيلة التعليمية و معها و فئات أخرى بالوظيفة من أجل تحقيقه.
15 سنة من الانتظار من أجل انصاف الفئات المتضررة بقطاع التعليم التي منها من قضى نحبه ، ومنها من تقاعد ، ومنها من لا زال يمارس بالمدرسة العمومية ... عقدا ونصف من الاجهاز على مكتسب حقوقي و مختلف الحكومات المتعاقبة تقفز عليه من دون أن يمتلك أي رئيس حكومة ، أو وزيرا على رأس وزارة التعليم ، جرأة الاعلان رسميا عن التخلي عن ما جاء بهذا الاتفاق بالنسبة لنساء ورجال التعليم ... 15 سنة و النقابات التعليمية و المركزيات النقابية التي جمعتها بالحكومات المتعاقبة سلسلة من جلسات الحوار الاجتماعي و هي إن لم تقفز على مطالبة المحاور الحكومي التعجيل بتنفيذ ما جاء باتفاق 26 أبريل 2011 قبل الانتقال إلى المطالب الجديدة ، فإنها تطرحه بشكل محتشم و مخجل ، وتضعه في آخر رتبة بدفتر المطالب التي تتفاوض مع الوزارة عليها من جديدة .... لعبة مكشوفة خيوطها في التفاوض بكل أشكاله و أنواعه ..
نحن اليوم أمام حكومة جديدة تقودها تاء التأنيث لأول مرة في تاريخ المغرب ، وتشكل استثناء على مستوى المنطقة العربية . أضف إلى ذلك اسناد حقيبة التربية الوطنية لوزير لا تجوز مقارنته بغيره من الوزراء الذين تعاقبوا على رأس القطاع على جميع المستويات ، و يقف خلفه حزبا مهما كان الاختلاف معه فإن تاريخه و أدبياته تنتصر لدولة المؤسسات ، التي لا يمكن لهذه الأخيرة أن تتنصل من التزاماتها مهما ثقلت كلفة تلك الالتزامات . كما أن بذات الحكومة يوجد حزب الاستقلال الذي سيكون من باب العبث أن لا يترافع من أجل تفعيل الاتفاق المذكور الذي وقعه مع المركزيات النقابية في نسختها الأصلية قبل أن يأفل حضور نسخ غالبيتها (النقابات) اليوم في الساحة النضالية ، و اقتصارها على ركوب موجات غضب الشغيلة التعليمية .
عودة الحديث عن اتفاق 26 أبريل 2026 يسائل الحكومة و باقي الفرقاء ، ويضع مصداقية المصادقة على اتفاقيات ملزمة على المحك . و كل رهان على مرور الوقت حتى يسقط الاتفاق المذكور كما تسقط أوراق الأشجار في عز فصل الخريف، فإنه رهان فاشل على كل المستويات لأن فصل الخريف هو فرصة سنوية أمام الأشجار لضخ الحياة في جدورها ، و جذوعها ، و أغصانها لتظهر بحلة جديدة على مدى الفصول الثلاثة الأخرى.
ما أحوج المغرب اليوم الذي تواجهه تحديات كبرى لكل أبنائه لربح رهاناته في عالم يتحول عند كل رمشة عين . إن كل قلق اجتماعي و حقوقي مهما ضاق حجمه، ما من شك فإنه يفرمل التعبئة الوطنية المطلوبة في هذا المنعرج التاريخي الذي تقطعه بلادنا .
حكومة فاطمة الزهراء المنصوري لن يكتمل دخولها التاريخ من بابه الواسع إلا إن سارعت لتنقية الأجواء بالبلاد ، بنزعها لفتائل القلق ، التي من بينها اتفاق 26 أبريل 2011 الذي يطرح الاستمرار في تعطيل مخرجاته الخاصة بفئة نساء ور جال التعليم المعنيين ، علامة استفهام كبرى ، و من المؤكد بأن هذا التعطيل سيكون له ما بعده في مبدأ الثقة في المؤسسات المنتخبة ، و النقابات ، و الأحزاب التي توجد أصلا في الحضيض .
كيف للمغرب الذي نجح في تقديم نموذج للانصاف و المصالحة وجبر ضرر ضحايا زمن الجمر و الرصاص أغنى بهما التجارب الدولية ، يصعب على حكوماته المتعاقبة على تدبير دواليبه أن تعجز عن حل الالتزام بتفعيل ما تم توقيعه يوم 26 أبريل 2011 .
لا قيمة للغلاف المالي أمام حماية مصداقية المؤسسات و ضمان الاستقرار و زرع الثقة في المستقبل .






