دعونا نبتعد قليلا عن صخب العناوين الإخبارية التي تتحدث عن الفيتو والفيتو المضاد في الجلسة 10126، ولنطرح السؤال الذي يتجنبه الجميع// هل كان فشل مجلس الأمن في تمديد بعثة "المينورسو" مجرد حادث إجرائي أم هو إعلان رسمي عن نهاية صلاحية "المنظومات الوظيفية" في العلاقات الدولية؟.. ما شهدناه هو تحول عميق يتجاوز قضية الصحراء ليمس عقيدة التدخل الأممي في نـزاعات ما بعد الحرب الباردة، حيث تحولت البعثة من أداة للحل إلى عبء بيروقراطي يطيل أمد الـنزاع بدلا من إنهائه.
الحقيقة التي يغفلها الكثيرون هي أن البعثات الأممية تاريخيا صممت لتشتغل في بيئة "الفراغ السيادي"، أو عندما تكون أطراف النزاع متكافئة في الضعف وتبحث عن منظمة دولية تدير عجزها المشترك. لكن ما حدث في ملف الصحراء طوال العقد الأخير هو نشوء مفارقة بنيوية ، فبينما كانت البعثة تعيد تدوير تقاريرها الروتينية في نيويورك ، كان المغرب يمارس التجذير السيادي واللوجستي والتنموي على الأرض، محولا الجغرافيا من مساحة متنازع عليها إلى مركز اقتصادي وقنصلي يربط أوروبا بغرب إفريقيا. هذا الاختلال بين عقم البيروقراطية الدولية وديناميكية الواقع الميداني جعل البعثة تفقد وظيفتها الحيوية قبل أن تفقد سندها القانوني بفعل الصدام الروسي الأمريكي.
هنا يكمن الذكاء في بلاغ الديوان الملكي ، فالرباط لم تتباك على غياب التمديد ، بل أعلنت بوضوح انتهاء حقبة الوصاية الرمادية ،،
من الناحية التقنية، عندما يرفع المغرب الغطاء القانوني عن البعثة ويطالب بطواقمها ومعداتها بالرحيل، فهو لا يتحدى الشرعية الدولية، بل يطالب بإنهاء صناعة استدامة النزاع ، هذا الموقف ينقل الملف بنيويا من نموذج إدارة النزاع كأصل تجاري وسياسي للأطراف المناوئة إلى النموذج القائم على الأمر الواقع والشرعية الجغرافية والثنائية الصرفة مع القوى الكبرى المعترفة بسيادته، واضعا حدا لسياحة التقارير الدورية التي عطلت الحل لـ 35 عاما.
الخطوات المقبلة للرباط لن تنتظر إذنا من أحد، بل ستتجه فورا لملء هذا الفراغ الجغرافي بشكل هندسي مدروس. عمليا، ستتحرك القوات المسلحة الملكية لترسيم واقع أمني جديد عبر إلغاء مفهوم المنطقة العازلة شرق الجدار الدفاعي وتحويلها إلى أراض خاضعة للسيادة الإدارية والعسكرية الكاملة، مما يعني إنهاء أي وجود للميليشيات هناك بصفة قطعية. على الجانب المدني واللوجستي، ستُسرّع المملكة خطط ربط هذه المناطق بالشبكات الوطنية للطاقة والطرق، وتوسيع الشراكات الاستثمارية الدولية والمشاريع الأطلسية الكبرى مباشرة في المواقع التي كانت البعثة الأممية تدعي مراقبتها، لتحل البنية التحتية الصلبة محل الخيام الرمادية للمينورسو.
هذا الفراغ القانوني والميداني المفاجئ أحدث صدمة الانكشاف التام للجوار الإقليمي ، فالجزائر تجد نفسها اليوم دون الستار الأممي الذي طالما استخدمته كأداة ضغط دبلوماسية دون أن تتحمل التكلفة المباشرة للنزاع، بينما ستجد موريتانيا نفسها أمام تماس حدودي مباشر ومكشوف عسكريا ولوجستيا مع القوات المسلحة الملكية دون وسيط دولي.
ما حدث في نيويورك لم يكن انتصارا لدبلوماسية على أخرى، بل كان لحظة كاشفة أثبتت فيها حقائق الجغرافيا الصلبة أنها دائما ما تبتلع الأوراق المرتعشة للبيروقراطية الدولية، لتبدأ مرحلة الحسم الحقيقي الذي تصنعه خطوط السيادة الميدانية..






