سياسة واقتصاد

كيف أنقذت واشنطن مسار الحل السياسي في الصحراء المغربية؟

محمد خياري

لعبت روسيا في آخر لحظة ورقة المفاجأة؛ فبعد أن بقي الموقف الروسي طوال المفاوضات محاطًا بالغموض، وتوقّع كثيرون أنها ستكتفي بتكرار موقفها السابق أو بالتخفيف من حدته، اختارت موسكو استخدام حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن ضد قرار أمريكي يدعم مسار الحكم الذاتي في الصحراء المغربية، ثم دفعت فورًا بمقترح بديل لم يُطرح للنقاش من قبل ولم تطّلع عليه الأطراف المعنية مسبقًا.

لم يكن جوهر المقترح الروسي واسعًا في ظاهره؛ إذ اقتصر على الإبقاء على كلمة “استفتاء” في تسمية بعثة الأمم المتحدة في الصحراء، أي “بعثة الأمم المتحدة لتنظيم استفتاء في الصحراء الغربية”. غير أن هذا التفصيل اللفظي لم يكن بريئًا، فالاحتفاظ بهذه الكلمة يعني تثبيت المرجعية السابقة للنزاع، بمعنى أن الأصل في الحل هو الاستفتاء بدل “الحلول الواقعية” التي تُدار من قِبل مجلس الأمن.

وكان الخطر الحقيقي يكمن في أن الغموض الوارد في القرار الأممي السابق 2797 كان يمكن أن يُفسَّر -في غياب الفيتو الأمريكي- لصالح القراءة الجزائرية وبقاء مسألة الاستفتاء في صميم أي تسوية مستقبلية. وهنا تكمن قيمة التدخل الأمريكي؛ فلم يكن مجرد رد فعل دبلوماسي، بل كان تصدِّيًا في اللحظة الحاسمة منع تحوّل غموض نصي إلى سابقة سياسية وقانونية.

ويمكن تشبيه ذلك بحارس مرمى يتلقى تسديدة مباغتة في الدقائق الأخيرة؛ لم يكن الهدف تغيير مجرى المباراة بأكملها، بل منع هدف كان كفيلًا بإعادة فتح الملف وقلب موازين التفاوض. وقد نجح الحارس، لأن الفيتو الأمريكي حافظ على وضوح الإطار الأممي ومنع إعادة إدخال مفهوم الاستفتاء كشرط لا يمكن تجاوزه.

ولا يصح اختزال تحرك موسكو هنا في مسألة دبلوماسية شكلية؛ فروسيا تسعى، عبر ملف الصحراء، إلى تحقيق أهداف متعددة في آن واحد:

* إثبات حضورها في البحر الأبيض المتوسط والساحل الإفريقي، حيث تتقاطع مصالحها مع مصالح فرنسا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

* استثمار التوتر بين الجزائر والمغرب كوسيلة للحفاظ على نفوذها في منطقة تعتبرها رافعة استراتيجية نحو إفريقيا.

* استغلال الغموض الدبلوماسي لإعادة نفسها إلى صدارة ملفات مجلس الأمن، بعد أن تراجع وزنها الدولي في ملفات أخرى.

* إرباك الحلفاء التقليديين للجزائر، الذين وجدوا أنفسهم أمام موقف روسي أكثر تشددًا من مواقفهم.

لكن المفارقة أن هذه الورقة الروسية، رغم ذكائها التكتيكي، لم تحقق النتيجة المرجوة؛ فالمجتمع الدولي لم يعد مستعدًا للسماح بتحويل الصحراء إلى ساحة لتجريب المفاجآت الدبلوماسية أو لإحياء صيغ موروثة من حقبة سابقة، على حساب استقرار المنطقة المغاربية.

ما الذي كسبه المغرب؟

كسب المغرب في هذه الجولة أكثر من مجرد صدّ مقترح، فقد كسب:

1. حماية الإطار الأممي من أي إعادة تفسير تعيد الاستفتاء إلى قلب التسوية.

2. تأكيد الدور الأمريكي كضامن رئيسي لتوازنات الملف، وهو ما يعزز موقع الرباط في أي مفاوضات قادمة.

3. كشف حدود اللعبة الروسية، وإظهار أن موسكو قادرة على المباغثة لكنها غير قادرة على فرض نتائجها في وجه إرادة القوى المؤثرة.

4. تعزيز منطق الحل الواقعي القائم على الحكم الذاتي، بدل الانحباس في صيغة استفتاء أصبحت -عمليًا- غير قابلة للتطبيق منذ عقود.

وبذلك، لم يكن الفيتو الأمريكي مجرد إجراء شكلي، بل كان خطًا أحمر واضحًا: لا مجال لإعادة تعريف الصراع من جديد، ولا مجال للسماح للغموض الدبلوماسي بأن يتحول إلى أداة ضغط. أما روسيا، فقد خرجت من الجولة وقد أثبتت قدرتها على المباغتة، لكنها لم تتمكن من تحويلها إلى نصر.

ويبقى موضوع بعثة “المينورسو” معلقًا؛ ففي الواحد من نوفمبر لم يعد لها غطاء أممي، وقد أعلن المغرب أن وقف عملها في الصحراء مادام أنه ليس هناك قرار أممي حول مستقبلها أو إعادة تجديدها.