تابعت جانباً من مناقشات مشروع قانون المالية لسنة 2027، واستوقفني أن عدداً من النواب جعلوا من مداخلاتهم مناسبة لاستعراض مشاكل الدواوير والمناطق التي يمثلونها: طريق تحتاج إلى التعبيد، مستوصف يفتقر إلى التجهيزات، مدرسة تعاني الخصاص، منطقة تنتظر الماء أو الكهرباء أو فك العزلة.
لا أحد يجادل في مشروعية هذه المطالب، ولا في حق النائب في نقل انشغالات المواطنين والدفاع عن حاجيات مناطقهم. فهذا جزء من مسؤوليته التمثيلية. لكن ثمة فرق بين نقل المشكلة ومناقشة السياسة المالية التي يفترض أن تعالجها.
فبعض المداخلات بدت أقرب إلى عرض عرائض محلية منها إلى مساءلة حكومية حول الاختيارات المالية وأولويات الإنفاق العمومي. وهنا مكمن الخلل: أن يتحول عرض الحاجيات إلى غاية في حد ذاته، بدل أن يكون مدخلاً لمناقشة السياسات التي أنتجت الخصاص، والاعتمادات التي رُصدت لمعالجته، والنتائج التي تحققت أو لم تتحقق.
فقانون المالية ليس ميزانية جماعية توزع الاعتمادات على الدواوير بحسب عدد المطالب التي يرفعها ممثلوها. إنه وثيقة سياسية واقتصادية تحدد أولويات الدولة، وتكشف اختياراتها في تعبئة الموارد وتوزيع النفقات وتوجيه الاستثمار.
ومن هذا المنطلق، فإن مناقشته تقتضي مساءلة الحكومة عن أولوياتها: كيف توزع المال العام؟ وفق أي معايير تحدد نصيب القطاعات والجهات من الاستثمار؟ ما موقع تقليص الفوارق المجالية ضمن اختياراتها؟ وما حصيلة الاعتمادات التي سبق أن رصدتها للبرامج والمشاريع نفسها؟
حين تعلن الحكومة عن استثمار عمومي يناهز 400 مليار درهم، لا يكفي أن يتوقف النقاش عند حجم الرقم. المطلوب مساءلة مكوناته ومصادر تمويله وتوزيعه المجالي، وطبيعة المشاريع التي يتجه إليها، ومدى إسهامها في خلق القيمة المضافة وفرص الشغل وتحسين الخدمات.
والأهم هو إخضاع حصيلة الميزانيات السابقة للمساءلة: كم من الاعتمادات المبرمجة تحولت إلى مشاريع منجزة؟ وكم من المشاريع تعثر أو تأخر؟ وما أسباب ذلك؟ وهل يعكس تكرار المطالب نفسها في المناطق ذاتها استمرار الخصاص، أم اختلالاً في البرمجة أو التنفيذ أو تتبع المشاريع؟
وهنا يمكن أن تتحول المطالب المحلية إلى مادة حقيقية للمساءلة المالية. فحين يطالب نائب بتعبيد طريق في دائرته، يمكن أن ينتقل من المطالبة بإنجازها إلى مساءلة الحكومة عن معايير توزيع الاستثمار الطرقي، وحصة الجهة من الاعتمادات، ومآل البرامج السابقة ونسب تنفيذها. وحين يثير غياب مستشفى، يمكنه أن يسائل الحكومة عن الخريطة الصحية، ومعايير توزيع المؤسسات والتجهيزات والموارد البشرية، وعن مدى تطابق الاعتمادات المرصودة مع الحاجيات الفعلية.
فالمطالب المحلية ليست خارج مناقشة قانون المالية، بل هي أحد مداخلها الأساسية؛ غير أن قيمتها البرلمانية تتحدد بقدرتها على الانتقال من وصف الخصاص إلى مساءلة السياسة التي يفترض أن تعالجه.
إن تكرار المطالب المحلية في كل مناقشة لقانون المالية، دون مساءلة مآل الاعتمادات السابقة، يطرح مسألة الترابط بين البرمجة الميزانياتية والتنفيذ والتقييم. فالاعتماد المالي لا يكتسب قيمته بمجرد إدراجه في قانون المالية، وإنما بما يفضي إليه من إنجاز فعلي وأثر قابل للقياس.
فالنائب لا يناقش قانون مالية دائرته الانتخابية، بل يشارك في رسم اختيارات مالية تتحمل كلفتها البلاد بأكملها، وتُقاس نتائجها بما يصل إلى المواطن، أياً كان موقعه على الخريطة.
وحين يدخل النائب من بوابة دائرته الانتخابية، لا ينبغي أن يظل أسير حدودها؛ فهو يناقش ميزانية دولة، لا دفتر حاجيات دائرة، ومالاً عاماً لا ملكية محلية.
ياربي...تعفو علينا ياربي...
إيييوا.....الله يبدل بما حسن.






