مجتمع وحوداث

الجامعة ليست بقرة حلوباً...

فاطمة الزهراء التامني (فاعلة سياسية)

الجامعة ليست بقرة حلوباً فعلا، ولكن يفترض أن تكون حلوبا للمعرفة والعلم، والمفارقة الصارخة هي أن الجامعة ليست مقاولة، والأجراء ليسوا قطيعاً،

فحين يصل الأمر إلى الحديث عن الجامعة العمومية بمنطق البقرة الحلوب، فمعناه أننا أمام عقلية تقيس قيمة الجامعة بما تدرّه من مال، لا بما تنتجه من معرفة، وما تضمنه من تكافؤ للفرص، وما تؤديه من دور في تحرير المجتمع من الجهل والتبعية ومن فسح  للمجال للترقي المجتمعي  والمعرفي. 

وهم يرفضون أن تكون الجامعة بقرة حلوباً، يبدو أنهم مستعدون لجعل الموظف والمستخدم والأجير مورداً ماليا سهلا، وكأن أجور المغاربة أصبحت خزينة احتياطية لتمويل اختيارات حكومية تعجز عن توفير الموارد اللازمة للخدمات العمومية.

الأجير ليس بقرة حلوباً، والموظف ليس صرّافاً آلياً، والمواطن ليس ممولاً لفشل السياسات العمومية،

هؤلاء يؤدون الضرائب والاقتطاعات، ويواجهون ارتفاع الأسعار، وتآكل القدرة الشرائية، ثم يُطلب منهم أن يتحملوا المزيد من الأعباء، حتى في قطاعات يفترض أن تظل فيها مسؤولية الدولة واضحة وفي مقدمتها التعليم والصحة 

إن الجامعة العمومية ليست مشروعاً تجارياً، ولا عبئاً ينبغي التخلص منه، ولا خدمة ينبغي إخضاعها لمنطق الربح والخسارة، إنها حق دستوري ومرفق عمومي واستثمار استراتيجي في مستقبل البلاد وحين تصبح كلفة التعليم هاجساً أكبر من كلفة الجهل، وحين يُنظر إلى الإنفاق على الجامعة باعتباره استنزافاً، فذلك انقلاب خطير في ترتيب الأولويات.

من يريد إصلاح الجامعة، فليبدأ بمساءلة السياسات العمومية، لا بمحاسبة جيوب الأجراء. ومن يريد تعبئة الموارد، فليبحث عن مكامن الهدر والريع والامتيازات غير المستحقة، وليواجه التهرب الضريبي، بدل أن يجعل الأجور الحلقة الأسهل في سلسلة الاقتطاعات.

والسؤال الذي ينبغي أن يجيب عنه السيد الوزير بوضوح هو: هل تريدون جامعة عمومية تفتح أبواب المعرفة أمام أبناء الشعب، أم جامعة تتراجع الدولة عن تمويلها تدريجياً، فلا يبقى أمام الأسر إلا أداء الفاتورة من جيوبها؟

لا يمكن أن نتحدث عن العدالة الاجتماعية، ثم نحول التعليم إلى كلفة يتحملها المواطن وحده. ولا يمكن أن نتغنى بتكافؤ الفرص، ثم نسمح للقدرة المالية للأسر بأن تصبح محدداً أساسياً لفرص أبنائها في التعلم.

إن أخطر ما في هذا المنطق ليس فجاجة التشبيه، بل ما يكشفه من تصور لدور الدولة، دولة تتردد في تمويل الحقوق، لكنها لا تتردد في مطالبة المواطنين بأداء المزيد.

نحن نريد دولة تستثمر في الجامعة، لا دولة تستثمر في جيوب الأجراء. نريد تعليماً عمومياً يحرر أبناء الشعب، لا سياسات تجعل حقهم في المعرفة رهيناً بقدرتهم على الدفع.

فالجامعة حق، والتعليم مسؤولية عمومية، وكرامة الأجراء ليست موضوعاً للمساومة،

ومراجعة القانون المشؤوم والمرفوض من طالبي العلم والمعرفة أصبحت ضرورة ملحة،    

فالقانون ليس نصاً مقدسا، إنه اختيار سياسي قابل للمراجعة متى ثبت تعارضه مع المصلحة العامة والعدالة الاجتماعية،  وما كان مرفوضاً بالأمس بسبب مخاطره، يصبح تغييره اليوم ضرورة سياسية واجتماعية لا تقبل التأجيل.