127 صوتا ضد الحكومة.. سابقة دستورية تكشف حكومة بأغلبية حسابية وأقلية سياسية
منذ إقرار دستور 2011، لم يسبق لأي حكومة أن بدأت ولايتها بهذا الحجم من الرفض البرلماني. 127 صوتا ضد البرنامج الحكومي اليوم، ليس رقما في محضر الجلسة، بل مؤشر سياسي خطير على أن حكومة فاطمة الزهراء المنصوري منصبة دستوريا، ومعزولة سياسيا منذ اللحظة الأولى..
لنقرأ الرقم ببرودة الأرقام الدستورية، لا بحرارة الأشخاص:
- حكومة بنكيران ا 2012: 83 ضد
- حكومة العثماني 2017: 87 ضد
- حكومة أخنوش 2021: 83 ضد
- حكومة المنصوري 2026: 127 ضد
الفارق ليس هامشيا. الفارق هو قفزة بـ 44 صوتا عن أعلى رقم معارضة سابق. أي بزيادة تفوق 50%. هذا يعني أن قاعدة الرفض اتسعت بشكل غير مسبوق، وأن المعارضة لم تعد مجرد فسيفساء مشتتة، بل أصبحت كتلة سياسية موحدة في الرفض.
ماذا يعني دستوريا وسياسيا أن يصوت 127 ضدك؟
دستوريا:
الفصل 88 واضح، الحكومة منصبة بـ 204 أصوات، أي بأغلبية مطلقة. لا نقاش قانوني في ذلك. الحكومة قانونية.
سياسيا:
الدستور نفسه في الفصل الأول يتحدث عن الديمقراطية التشاركية وربط المسؤولية بالمحاسبة. كيف لحكومة أن تمارس ديمقراطية تشاركية و38% من ممثلي الأمة يرفضون برنامجها من اليوم الأول؟
204 مقابل 127 تعني أن الحكومة تملك أغلبية عددية من 6 أصوات فقط فوق العتبة الدستورية (198). 6 أصوات هي هامش المناورة كله. أي اهتزاز داخل مكونات الأغلبية الأربعة، أي خلاف حول قانون المالية، أي غياب اضطراري، سيحول الأغلبية إلى أقلية.
حكومة بهذا الهامش الضيق لا تستطيع أن تصلح التقاعد، ولا أن تفتح ملف سامير، ولا أن تواجه لوبي المحروقات، لأنها ستكون مشغولة كل يوم بعدّ أصواتها للتأكد أنها ما زالت حية.
127 ليست صدفة، بل نتيجة برنامج بلا إجابات
127 نائبا لم يصوتوا ضد المرأة، ولم يصوتوا ضد حزب الأصالة والمعاصرة كفكرة، صوتوا ضد منهجية البرنامج:
- صوتوا ضد برنامج يعد بـ 1000 درهم دعم اجتماعي في نهاية الولاية، بينما الفصل 40 من الدستور يتحدث عن التضامن الفوري، لا المؤجل لـ 5 سنوات.
- صوتوا ضد برنامج يغيب القانون الإطار 51.17 للتعليم، وهو القانون الوحيد الملزم دستوريا لإصلاح التعليم، ويستبدله بشعار "مدارس الريادة".
- صوتوا ضد برنامج يتحدث عن 390 مليار استثمار و5% نمو، دون أن يقدم جدول تمويل واحد ولا مصدر ضريبي واضح، في وقت ينتظر فيه المواطن جوابا عن مصير 280 مليار درهم صرفت في الولاية السابقة.
- صوتوا ضد برنامج يذكر "محاربة الاحتكار" دون أن يذكر مرة واحدة آلية تفعيل مجلس المنافسة ضد الأرباح الفاحشة في المحروقات التي قدرها المجلس نفسه بـ 15 مليار درهم سنويا.
عندما يغيب الجواب، يحضر الرفض. 127 هي ثمن الغموض.
سابقة تضع الحكومة أمام امتحان الثقة الحقيقي
حكومات ما بعد 2011 كانت تبدأ بثقة برلمانية عالية ثم تتآكل شعبيا مع مرور السنوات. حكومة المنصوري قلبت المعادلة: بدأت بتآكل برلماني منذ اليوم الأول.
وهذا يضعها أمام معادلة قاسية: إما أن تقدم في أول 100 يوم إجراءات ملموسة تقنع الـ 127، مثل جدول زمني واضح لإصلاح التقاعد، وإعادة تشغيل سامير، ونشر كلفة المونديال الحقيقية، وإما أن تتحول الـ 127 إلى 140 و150 مع كل قانون مالية.
التاريخ الدستوري للمغرب منذ 2011 علمنا شيئا واحدا: الحكومات التي تبدأ بأقل من 90 صوتا معارضا، تنهي ولايتها بـ 120 صوتا معارضا. فما بالك بحكومة بدأت بـ 127؟
الرقم اليوم ليس مجرد تصويت، بل هو نذار دستوري مبكر الثقة الدستورية منحت، لكن الثقة السياسية لم تمنح بعد. والثقة السياسية لا تمنح بـ "أنا محامية وعارفة القانون"، ولا بـ "الرياضة تبعد أبناءنا عن المخدرات"، بل تمنح بأرقام قابلة للمحاسبة وآجال قابلة للتتبع.
127 صوتا قالت اليوم: نحن لا نعارضك كأشخاص، نحن نعارض برنامجا لا نرى فيه كيف سيعيش المغربي غدا.






