لن نختلف إن أعتبرنا أن البكاء حالة نفسية تمتزج فيها عدة عناصر، أغلبها عاطفية، كتعبير عن التفاعل مع لحظة يعجز فيها اللسان عن التعبير، فتنوب العيون بسيل من الدموع.
البكاء عند الأطفال تعبير مختلف يعبر من خلاله الطفل عن لفت الانتباه إلى جوع، أو عطش، أو مرض، أو فزع. أما البكاء عند الأشخاص الراشدين فيختلف حسب الحالات الإنسانية والظروف العامة المحيطة بالبيئة التي تعرف مثل هذه الحالات. فهناك بكاء الفرح، وبكاء الحزن، وبكاء الحب، وبكاء الفراق... إلخ.
لكن بكاء تسليم السلطة من وزير إلى آخر، كلحظة إدارية عادية تندرج في إطار التداول على السلطة، بصراحة لم أجد له تبريراً صريحاً في الممارسة السياسية. تعود بنا الذاكرة شيئاً ما إلى الوراء، عندما شهدنا عدداً من الوزراء ورئيس مجلس النواب السابق يذرفون الدموع مدراراً أثناء إعلان أخنوش عن التنحي عن رئاسة حزب الحمامة، ليتحول ذاك المؤتمر أو التجمع إلى مأتم سالت فيه الدموع بشكل لم يسبق له مثيل.
حينها، لم نستوعب الفهم الحقيقي للمرحلة الذي قرأته بشكل جيد الدائرة المقربة من رئيس الحكومة السابق، الذين شعروا أن مهمتهم في قيادة سفينة الحكومة انتهت بشكل فعلي، وأن التنزيل الجديد هو مسألة وقت فقط، حيث إن تصدر حزب الجرار لانتخابات الثالث وعشرين من سبتمبر كانت نتائجها معروفة بشكل مسبق، بالرغم من عدم وجود آليات علمية دقيقة تشتغل على جس نبض مزاج الهيئة الناخبة.
تتذكرون أنه في بداية الأمر تم الترويج لاسم فوزي لقجع كرئيس حكومة محتمل، واقتصر دوره فيما بعد على ضخ منشطات داخل عجلات الجرار الذي تصدر قائمة الانتخابات بناءً على نسبة مشاركة متدنية جداً، تعكس حالة عزوف قصوى لدى الكثير من الفئات المجتمعية، لا سيما منها فئة الشباب.
حالة البكاء التي شهدناها بعد ذلك، بعد تنصيب الحكومة وتحديداً خلال تسليم السلط بين وزيرات ووزراء، ربما تترجم جزءاً من الفهم لتحمل المسؤولية الحكومية لدى جزء من النخبة السياسية. نعرف، كما يعرف الكثيرون داخل كواليس الأحزاب السياسية، أن حروب الاستوزار واقتراح الأسماء تجعل الكثير من الأحزاب يميل إلى عملية الترضيات والحفاظ ما أمكن على التوازنات داخل هياكل الأحزاب التي أفرغت من مهامها التأطيرية وتحولت إلى دكاكين بورصوية تتقاطع داخلها مصالح الأشخاص والعائلات.
وبالتالي، فإن مشاهد حالات البكاء أثناء تبادل السلطة بين الوزراء هي تعبير نفسي يعكس في جانب منه ميول وتشبت النفس البشرية بالسلطة كواجهة لممارسة النفوذ، وكرتبة مجتمعية داخل المجتمع والعائلة والأصدقاء، وكامتياز شخصي يدر على صاحبه ومن يدور في فلكه من مقتنصي المناصب داخل الدواوين ومكاتب الدراسات امتيازات عينية بعيدة عن مجهر المراقبة.






