كوني مغربياً أعيش في فرنسا، فهذا لا يمنعني من متابعة ما يجري في وطني، ولا يعفيني من مسؤوليتي في التعبير عن موقفي كلما تعلق الأمر بمصالح المغرب وكرامته. فالوطن ليس مجرد مكان نعيش فيه، بل انتماء لا تلغيه المسافات، وارتباط لا تسقطه السنوات. وأنا لا أحتاج إلى أن أكون داخل المغرب حتى أهتم بقضاياه، كما أنني لست مضطراً إلى التصفيق لكل شيء حتى أثبت وطنيتي. من حقي أن أدافع عن بلدي، ومن حقي أيضاً أن أطرح الأسئلة حين أرى ما يستحق النقاش والمساءلة.
من هذا المنطلق، أجد نفسي أمام ما يجري بشأن سبتة ومليلية، وأمام زيارة ملك إسبانيا للمدينتين، وهي زيارة تحمل دلالات سياسية لا يمكن فصلها عن الخلاف التاريخي القائم حولهما. لا أزعم أنني أعرف نيات الملك الإسباني، ولا أقول إن كل تحرك رسمي إسباني يستهدف المغرب بالضرورة، لكنني أرفض أن يُطلب من المغاربة التعامل مع هذه الزيارة باعتبارها حدثاً عادياً لا يستحق النقاش. فالتوقيت والرمزية والسياق عناصر أساسية في قراءة السياسة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بملف بهذه الحساسية.
وهنا أطرح سؤالاً أراه مشروعاً: كيف يمكن الحديث عن شراكة استراتيجية بين المغرب وإسبانيا، وعن الثقة والتعاون وحسن الجوار، من دون الاعتراف بأن ملف سبتة ومليلية يظل نقطة خلاف جوهرية بين البلدين؟ لا أطلب من إسبانيا أن تتبنى الموقف المغربي، ولا أتجاهل موقفها المعلن بشأن المدينتين، لكنني أرى أن الشراكة الحقيقية تقتضي أن يفهم كل طرف ما يمثله هذا الملف بالنسبة إلى الطرف الآخر، لا أن يتصرف وكأن حساسيته لا تعنيه.
قد تعتبر مدريد الزيارة ممارسة عادية لاختصاصات ملكية ودستورية، وقد ترى الرباط فيها رسالة سياسية تستوجب التوقف عندها. لكن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس فقط كيف يفسر كل طرف ما حدث، بل كيف يمكن منع مثل هذه التحركات من زيادة التوتر بين دولتين تحتاج كل منهما إلى الأخرى. فهل كان بالإمكان مراعاة حساسية هذا الملف بصورة مختلفة؟ وهل تدرك القيادة الإسبانية أن تأكيد موقفها من داخل المدينتين قد يُقرأ في المغرب باعتباره رسالة تتجاوز البروتوكول؟ إن طرح هذه الأسئلة لا يعني الجزم بوجود نية للاستفزاز، لكنه يعني أن من حق الرأي العام المغربي أن يناقش الأبعاد السياسية لما حدث.
وأقولها بصراحة: لا يمكن أن نطلب من المغرب تعاوناً أمنياً واقتصادياً واسعاً، وأن نعول عليه في تدبير ملفات الهجرة ومكافحة الجريمة المنظمة وحماية الاستقرار في غرب المتوسط، ثم نتوقع منه أن يتعامل بلا اكتراث مع كل ما يثير حساسيته الوطنية. الشراكة الاستراتيجية ليست امتيازاً يحصل عليه طرف، ولا قائمة مصالح يأخذ منها ما يناسبه ويترك ما لا يناسبه. إنها علاقة تقوم على المصالح المتبادلة، وعلى القدرة على إدارة الخلافات باحترام ووضوح.
ولنكن واقعيين، فالمغرب وإسبانيا ليسا بلدين يستطيع أحدهما تجاهل الآخر. بينهما جغرافيا مشتركة، ومصالح اقتصادية مهمة، وروابط إنسانية واسعة، وتعاون أمني لا يمكن الاستهانة به. ولذلك فإن مصلحة الطرفين تقتضي ألا تتحول الخلافات التاريخية إلى مصدر دائم للتوتر، وألا يستعمل خطاب الصداقة لتغطية القضايا العالقة. فالعلاقات القوية لا تُختبر عندما تكون المصالح متطابقة، بل عندما يظهر الخلاف ويصبح مطلوباً من الطرفين التعامل معه بقدر من المسؤولية.
ولا أرى أن الدفاع عن الموقف المغربي يقتضي الإساءة إلى الشعب الإسباني أو الدعوة إلى قطع العلاقات معه. أنا أميز بين الشعوب ومواقف الدول، وأؤمن بأن الخلاف السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى عداء إنساني. لكنني أميز أيضاً بين الصداقة والمجاملة، وبين حسن الجوار والصمت. يمكننا أن نحترم إسبانيا وشعبها، وأن نحرص على استمرار العلاقات بين البلدين، وفي الوقت نفسه أن نعبر بوضوح عن رفضنا لأي موقف نراه متجاهلاً لحساسية قضية وطنية.
وهناك سؤال آخر أوجهه إلى بعض الفاعلين الاقتصاديين الذين ترتبط مصالحهم بإسبانيا. لا أحد يطالبهم بالتخلي عن أعمالهم أو الإضرار بمصالحهم، لكن هل ينبغي أن تصبح المصالح الاقتصادية سبباً في تجنب كل نقاش وطني حساس؟ وهل يمكن أن تستمر العلاقات الاقتصادية بصورة صحية إذا تحولت إلى مبرر للصمت عن كل ما يثير القلق؟ أنا لا أتهم أحداً، ولا أطالب أحداً باتخاذ مواقف استعراضية، وإنما أقول إن المصالح الخاصة، مهما كانت مشروعة، لا ينبغي أن تلغي حق المجتمع في النقاش، ولا أن تجعل القضايا الوطنية حكراً على المسؤولين والدبلوماسيين.
وفي المقابل، لا أريد أن تتحول هذه المرافعة إلى مجرد مطالبة إسبانيا بمراجعة مواقفها، لأن المغرب بدوره مطالب بأن يوضح ماذا يريد، وكيف يريد الوصول إليه. ما الاستراتيجية التي يعتمدها بشأن سبتة ومليلية؟ كيف يراكم الدعم لموقفه عبر القنوات الدبلوماسية والقانونية والسياسية؟ وكيف يضمن أن يكون التعامل مع هذا الملف قائماً على رؤية مستمرة، لا على ردود فعل مرتبطة بكل حدث جديد؟
هذه أسئلة تستحق إجابات جدية. فالغضب مفهوم، لكنه ليس استراتيجية، والتصريحات القوية لا تكفي وحدها لتحقيق الأهداف. المطلوب هو موقف واضح، وعمل دبلوماسي متواصل، وتقدير دقيق للمصالح والموازين، مع تجنب أي تصعيد غير محسوب قد يدفع المواطنون ثمنه. إن قوة الدولة لا تظهر في قدرتها على التعبير عن الاستياء فقط، بل في قدرتها على تحويل موقفها إلى سياسة عملية تحقق نتائج وتحمي مصالحها.
وأعتقد أن قوة المغرب في هذا الملف ترتبط أيضاً بقوة جبهته الداخلية. فلا يكفي أن نتحدث عن السيادة والمصالح الوطنية عندما يتعلق الأمر بالخارج، ثم نتجاهل مطالب المواطنين بالعدالة والمحاسبة وتحسين الخدمات والحد من الاختلالات. فالدولة التي تريد أن يكون صوتها مسموعاً خارج حدودها تحتاج إلى مؤسسات فعالة، وثقة متبادلة مع مواطنيها، واقتصاد قوي، وإدارة تتحمل مسؤولياتها. هذه ليست مسألة منفصلة عن السياسة الخارجية؛ إنها من عناصر القوة التي تمنح أي موقف دبلوماسي وزنه ومصداقيته.
أما أنا، كمغربي يعيش في فرنسا، فلا أرى في المسافة سبباً للصمت، ولا في النقد انتقاصاً من الوطن. لقد اخترت أن أعبر عن موقفي لأنني أرى أن قضايا المغرب تستحق النقاش الجاد، وأن الدفاع عن مصالحه لا ينبغي أن يتحول إلى مزايدة أو خصومة مع الشعوب. فمن حقنا أن نختلف مع إسبانيا، ومن حقها أن تعبر عن موقفها، لكن من حقنا أيضاً أن نطالب بعلاقة تقوم على الوضوح والاحترام المتبادل، لا على الاكتفاء بترديد عبارات الشراكة بينما تظل الملفات الحساسة موضع خلاف.
رسالتي إلى مدريد واضحة: نحن لا نبحث عن العداء، ولا نريد أن تتحول العلاقات المغربية الإسبانية إلى ساحة للمواجهة. لكننا نريد أن يُؤخذ الموقف المغربي بشأن سبتة ومليلية بجدية، وأن يُفهم أن هذا الملف ليس تفصيلاً عابراً في الوعي الوطني المغربي. وإذا كانت إسبانيا حريصة على شراكة استراتيجية مستقرة مع المغرب، فإن إدارة الخلافات بحكمة واحترام ينبغي أن تكون جزءاً من هذه الشراكة، لا أمراً مؤجلاً إلى أجل غير مسمى.
ورسالتي إلى المسؤولين المغاربة واضحة أيضاً: لا تجعلوا الغضب بديلاً عن الاستراتيجية، ولا تتركوا الرأي العام أمام التأويلات وحدها. وضّحوا المواقف، واشتغلوا دبلوماسياً، ودافعوا عن المصالح الوطنية بوسائل فعالة، واجعلوا قوة الداخل سنداً للموقف الخارجي. فالمغاربة لا يحتاجون إلى خطابات انفعالية بقدر ما يحتاجون إلى سياسة واضحة يعرفون أهدافها ويفهمون أدواتها.
أما لمن يسألني لماذا أتحدث من فرنسا، فأقول: لأنني مغربي، ولأن انتمائي لا يتوقف عند الحدود، ولأن الاهتمام بوطنك لا يحتاج إلى إذن من أحد. لا أدعي احتكار الوطنية، ولا أزايد على أحد، لكنني أرفض أن يصبح العيش في الخارج سبباً للتشكيك في حق المواطن في التعبير عن رأيه. أنا أتابع، وأحلل، وأنتقد حين أرى أن النقد واجب، وأدافع عن مصالح بلدي من دون أن أختلق عداوات أو أتنازل عن حق الاختلاف.
سبتة ومليلية ليستا مجرد اسمين على الخريطة، كما أن العلاقات المغربية الإسبانية ليست مجرد صور واتفاقيات وتصريحات عن الصداقة. هناك ملف تاريخي وسياسي حساس، وهناك مصالح مشتركة، وهناك مسؤولية تقع على الطرفين في إدارة الخلاف. وما أطلبه ليس من إسبانيا أن تتخلى عن موقفها لمجرد أننا نختلف معها، بل أن تدرك أن الشراكة الحقيقية لا تُبنى بتجاهل القضايا التي تؤلم الطرف الآخر، وأن على المغرب بدوره أن يدافع عن موقفه بوضوح وحكمة وفعالية.
أنا يوسف الإدريسي الحسني، مغربي أعيش في فرنسا، ولا أرى تناقضاً بين الاعتزاز بوطني وبين انتقاد ما أراه جديراً بالنقد. لا أريد العداء مع إسبانيا، لكنني لا أقبل أن تكون الصداقة ذريعة للصمت، ولا أن تكون الشراكة مبرراً لتجاهل القضايا الوطنية.
فالوطنية ليست أن نرفع الصوت كلما وقع خلاف، وليست أن نصمت حتى لا نخسر المصالح؛ الوطنية أن نعرف ما نريد، وأن ندافع عنه بالحجة والعمل، وأن نطالب بالاحترام من دون أن نتخلى عن الحكمة.
مع تحياتي الخالصة.






