رأي

يوسف أكمير: دروس التاريخ في مواجهة الذاكرة الانتقائية وشعبوية الراهن

يوسف أكمير (مؤرخ وأكاديمي)

مقدمة

حين تتابع اليوم بعض الخطابات الإعلامية والسياسية لليمين واليمين المتطرف في إسبانيا، وهي تحاول شيطنة المهاجرين المغاربة أو التعامل معهم بتعابير استعلائية وكأنهم عبء طارئ أو تهديد وجودي، يسقط في يدك حجم النسيان الممنهج الذي تعاني منه الذاكرة المؤسساتية والإعلامية الإسبانية. وتزداد هذه الصورة قتامة مع الفتور والأزمة الشديدة التي تخيم حالياً على العلاقات الثنائية بين الرباط ومدريد؛ حيث تُستغل الخلافات الظرفية لنفث سموم الكراهية، وتناسي حقيقة ناصعة يوثقها التاريخ: إن المغرب لم يتعامل يوماً مع إسبانيا كدولة عدوة، بل كان دوماً جاراً مسؤولاً وسنداً يمد يده بالخير كلما ألمت بالجيران الكروب والأزمات.


فكيف لمن كان يوماً يقتات على "الخبز المغربي" لسد رمق شعبه من المجاعة أن ينسى فضل الجار الجنوبي؟ الواقع أن العودة إلى أرشيف القرن الثامن عشر تكشف لنا وجهاً مغايراً تماماً لتاريخ العلاقات الثنائية؛ وجهاً كانت فيه السيادة المغربية مصدراً للحياة، والأمن الغذائي لجزر الكناري مرهوناً بكرم السلاطين العلويين.


ترتب عن اتفاقية السلم والتجارة الموقعة بين المغرب وإسبانيا في 8 مايو 1767، تداعيات استراتيجية عميقة. ففي تلك الآونة، أصدرت السلطات الكنارية قوانين للتبادل التجاري مع الموانئ المغربية، وعلى رأسها ميناء موكادور (الصويرة)، لتأمين احتياجات سكان الأرخبيل (تينيريفي، فويرتيفنتورا، ولنصاروطي) الذين كان يفتك بهم شبح الجوع.


وتحفظ الأرشيفات الإسبانية بمدريد، إلى جانب دراسات باحثين أكاديميين، كماً هائلاً من الوثائق التي توثق هذا المد الإنساني. ففي 6 غشت 1769، أصدر السلطان سيدي محمد بن عبد الله أمره المطاع بمنح التجار الإسبان إذنًا استثنائياً بشحن كميات وافرة من الشعير، مفضلاً السفينتين الكناريتين على سفن باقي الدول الأوروبية، رغم احتجاجات التجار الأجانب. ولم تتوقف هذه الجسور الإنسانية والتجارية حتى في أوقات التوتر، حيث استمر تدفق الحبوب بسفن متعددة الجنسيات (بما فيها السفن الفرنسية والبرتغالية والإيطالية) كلما اشتدت أزمة المجاعة في الأرخبيل، وصولاً إلى مفاوضات تغيير موانئ الشحن نحو الدارالبيضاء وفضالة لاحقاً سنة 1785.


لا تخلو وثائق تلك المرحلة من تفاصيل دبلوماسية تعكس قوة التدبير المغربي وصرامته، ومنها:


قضية المتمردين 1770: حين فر إسبانيان إلى المغرب واعتنقا الإسلام واندمجا في المجتمع، ثم هُرِّبا على متن سفينة كنارية، أثار الأمر أزمة دبلوماسية حادة. فقد اشترط السلطان تسليمهما للعقاب، محذراً من أن الرفض لن يؤثر فقط على ملف تسليم المطلوبين عبر سبتة، بل قد يؤدي إلى تعليق نشاط تجارة الحبوب للكناري. وانتهت الأزمة بانصياع مدريد وإلقاء القبض على الفارين، إدراكاً لخطورة غضب السلطان على أمن أرخبيلها الغذائي.


الالتزام المالي: تظهر الوثائق صرامة الإدارة في استيفاء حقوق خزينة الدولة؛ إذ تم توقيف استيراد الحبوب مؤقتاً بسبب تأخر أحد التجار الإسبان في تسوية رسومه بميناء موكادور، ولم تفتح الموانئ أبوابها مجدداً إلا بعد أداء إسبانيا لديونها كاملة.


عدالة الإدارة والدبلوماسية: تشهد المراسلات على احترافية وكلاء السلطان (مثل اليهودي صمويل صامبل وجيزويا بنعمور، الذي أُرسل سفيراً لإبرام معاهدة تجارية مع إيطاليا)، حيث كانت تُعالج قضايا الرعايا بحكمة وعدل، مثل استجابة السلطان لالتماس العفو عن بحار كناري اتهم زوراً ببيع خمر "الماحيا".


خلاصة في مرآة الراهن



إن النبش في هذه الوثائق التاريخية ليس مجرد استعراض فلكلوري للماضي، بل هو صفعة في وجه الذاكرة الانتقائية لدوائر اليمين المتطرف الإسباني. فعندما تستغل هذه الدوائر الأزمات الظرفية العابرة (مثل أحداث الهجرة الأخيرة نحو سبتة) لنفث سموم الكراهية وتحويل المهاجرين إلى "مجذومين" تُعلّق عليهم أزمات السياسة، ينسى هؤلاء أن تاريخ الجغرافيا والأخلاق الإنسانية يشهد بأن المغرب كان يوماً -حين اشتدت بهم الكرب والمجاعات- هو الحائط المنيع والخبز الذي أحيى العائلات الإسبانية في جزر الكناري. إن الأزمة الراهنة التي تشهدها العلاقات المغربية-الإسبانية اليوم، بكل حمولاتها السياسية والدبلوماسية، لا ينبغي أن تعصف بأسس حسن الجوار التاريخي الأصيل. إن المغرب كان ولا يزال ينظر إلى إسبانيا كشريك وجار استراتيجي، وتجاوز هذه اللحظة الحرجة حتمي وممكن، شرط أن تستوعب مدريد دروس التاريخ، وتتعامل بمسؤولية واحترام كامل لسيادة المغرب الوطنية والترابية على كافة أراضيه وأقاليمه من البوغاز إلى الصحراء.