رأي

فتح الله رمضاني: حتى لا تفقد السياسة معناها والديموقراطية غايتها

إن تطور النموذج الديموقراطي المغربي، بكل ما صاحبه من تحولات في منطق الممارسة السياسية، بالإضافة إلى تنامي النزعة البراغماتية وتراجع مركزية حضور الإديولوجيا في توجيه اختيارات الأحزاب السياسية، كلها معطيات يمكن أن تساعد في فهم وتفسير رغبة مختلف الفاعلين الحزبيين في المشاركة في تدبير الشأن العام.


لكن تجب الإشارة، أن استحضار هذه المعطيات لا يجب أن يتحول إلى مشجب ومبرر لجعل المشاركة الحكومية غاية في حد ذاتها، وبالتالي جعلها مدخلا نظريا لإفراغ التعددية الحزبية من مضمونها السياسي والفكري، فما يمكن فهمه وتفسيره من زاوية هذه المعطيات والتحولات لا يسقط عن الأحزاب السياسية مسؤولية تفسير اختياراتها، ولا يجعل من البراغماتية السياسية آلية لتبرير التحولات في المواقف والتقاطبات.


صحيح أن السياسة بمعنى ما هي فن الممكن، لكن هذا الفن لا يجب أن يتحول إلى مسرح مفتوح ركحه للتبرير، وإلا أصبح كل تحالف ضرورة مرحلية، وكل تحول جذري استيعابا للمعطيات الظرفية، وكل تنازل براغماتية سياسية، ذلك أن البراغماتية حينما تنفصل عن مرجعية واضحة وعن تحليل سياسي مقنع، تصبح فاقدة لمعناها باعتبارها أداة لتدبير التناقضات، وتتحول إلى مجرد عنوان لتدبير المواقع.


الأكيد أن حق الأحزاب في المشاركة في الحكومات حق مشروع، وهو حق لا يجب أن يكون موضوع أي اعتراض، لكن من الضروري أن يكون هذا الحق موضوع نقاش، حول الأسس التي تستند إليها الأحزاب في تفسير قرارها بالمشاركة، وحول الحيثيات التي تجعل طموحها هذا بعيدا عن مجرد رغبة في التواجد داخل دائرة صناعة القرار، بغض النظر عن الاختلافات التي كانت تؤطر خطابها السياسي في السابق، وخصوصا في مرحلة الانتخابات، وإلا لن يبقى معنى لاختلاف البرامج والمرجعيات إذا كانت التناقضات التي تقوم عليها المنافسة الانتخابية تغيب عند أول شعاع من شمس يضيء إمكانية المشاركة في الأغلبية الحكومية.


إن هذا الرأي ليس دفاعا عن تصور جامد للحزبية وللفعل الحزبي، وهو رأي غير محكوم بالحنين إلى زمن الإديولوجيا، على اعتبار أن هذه الأخيرة يجب أن تكون محتلة لموقع أساسي بل مركزي في تحديد التقاطبات السياسية، فالأكيد أن المجتمعات في تغير مستمر، وأن من واجب الأحزاب السياسية أن تعيد مراجعة النظر في اختياراتها طبقا لما تفرضه التحولات التي تعرفها المجتمعات، وأن التحالفات السياسية قد تتطلب أحيانا بعض التجاوزات، لكن الممارسة السياسية المبنية على الوضوح، هي الفيصل في هذا الإطار، حيث أنها تضع فرقا بين الأحزاب التي تراجع اختياراتها في إطار تفاعلها الدائم مع تحولات المجتمع، إذ تلتزم هذه الأحزاب بشرح مبررات ودوافع المراجعات التي انخرطت فيها، وبين الأحزاب التي تتعاطى مع التحالفات السياسية وكأنها خيارات ظرفية تكتيكية لا تتطلب من أجل تبريرها غير استحضار منطق الضرورة السياسية.


على هذا الأساس، وبالنسبة للمشهد الحزبي المغربي، فإن الإشكال المطروح اليوم، والمتعلق برغبة الجميع في التحالف مع الجميع، لا يمكن التعبير عنه بالتساؤل حول دوافع التموقع بين المشاركة في الحكومة وبين معارضتها، بل إنه إشكال يتعلق بكيفية الحفاظ على تعددية هذا المشهد، وبالتالي بكيفية تدعيم ديموقراطيته، ذلك أن الديموقراطية لا تقوم فقط على وجود أحزاب تتنافس على الوصول إلى السلطة، بل إنها قائمة على وجود أحزاب تشرح لماذا تريد الوصول إلى السلطة، وتضع حدودا تؤطر المشاركة فيها، فالأمر لا يتعلق بعدم صوابية طموح الأحزاب إلى المشاركة في الحكومات، بل بعدم صوابية التأسيس الفكري والسياسي والبرنامجي لهذا الطموح.


عموما، إن تراجع الإديولوجيا لا يجب أن يكون رديفا في معناه لمعنى نهاية جميع صور الاختلاف السياسي، وتنامي النزعة البراغماتية لا يجب أن يكون دافعا لتغييب النقاش السياسي وبديلا عن الوضوح السياسي، وإلا فقدت الممارسة السياسية معناها وغايتها.