وتأتي في صدارة هذه الاعتمادات المثيرة للجدل الصفقة الضخمة الخاصة بتنظيم الدورة الرابعة للمعرض الدولي لكتاب الطفل والشباب بالدار البيضاء، المزمع انعقادها بين 21 و29 نونبر 2026؛ حيث رصدت لها الوزارة غلافاً مالياً قدره 36 مليون درهم (3 ملايير و600 مليون سنتيم) لمعرض لا تتجاوز مدته تسعة أيام فقط.
ويُظهر دفتر التحملات الخاص بالصفقة تركيزاً كبيراً على الجوانب اللوجستيكية والشكلية، بدءاً من تهيئة فضاءات كبار الشخصيات وتأثيثها، مروراً بكراء أسطول من السيارات من نوع «بيجو 508» والسيارات رباعية الدفع وحافلات النقل، وصولاً إلى حملات إشهارية واسعة على عربات الترامواي واللوحات الإشهارية وخدمات الحراسة والاستقبال.
ويرى مراقبون أن هذا الحجم المرتفع من الإنفاق على مهرجانات وتظاهرات مؤقتة يعكس اختلالاً واضحاً في التناسب بين التكلفة المادية والخدمات المقدمة، لا سيما في ظل وضعية الهشاشة التي تعاني منها البنيات التحتية الثقافية الدائمة.
ويكشف ضخ ملايير السنتيمات في التفاصيل التنظيمية والترويجية لمعرض خاطف عن مفارقة صارخة مع واقع المكتبات العمومية وفضاءات القراءة التي تواجه ضعف الإمكانيات وتراجع العرض الثقافي، خصوصاً في المناطق والمدن الصغرى التي تفتقر لأبسط التجهيزات.
ولم تتوقف نفقات القطاع عند حدود المعارض الكبرى، بل امتدت إلى المشتريات الإدارية اليومية؛ إذ خصصت الوزارة عبر طلب العروض رقم 15/2026 غلافاً مالياً يُناهز 350 ألف درهم (35 مليون سنتيم) لاقتناء مستلزمات معلوماتية استهلاكية، شملت خراطيش حبر الطابعات ومفاتيح التخزين والأقراص الصلبة وبطاقات الولوج.
ورغم كَوْن هذه المواد تندرج ضمن متطلبات التسيير الاعتيادي، إلا أن قيمتها المالية فتحت نقاشاً حول مدى انسجام هذا الحجم من الاستهلاك المكتبي مع الشعارات الحكومية المعلنة بشأن التحول الرقمي وترشيد استخدام الأوراق والمستلزمات التقليدية.
وتضع هذه المعطيات المتواترة وزارة الثقافة أمام محكّ حقيقي يعيد إلى الواجهة النقاش الوطني حول عقلنة الإنفاق العمومي؛ إذ يُسائل الموازنة بين منطق "البهرجة" والترويج المؤقت الذي يلتهم اعتمادات ضخمة، وبين الاستثمار المستدام في تطوير الشبكة الثقافية الوطنية، وتوسيع قاعدة القراء، وتحسين الخدمات الموجهة للمواطنين بشكل دائم ومستمر.






