مجتمع وحوداث

مؤسسات الريادة والهيكلة الجديد: من تعميم التجربة إلى تجربة التعميم

محمد التكناوي

تكشف كل المؤشرات الوطنية والدولية أن المدرسة المغربية تعيش أزمة تعلمات بنيوية، دراسة PNEA 2019 بينت أن 30% فقط من تلاميذ العمومي يتحكمون في المنهاج عند نهاية الابتدائي، وهو ما أكدته اختبارات PIRLS و TIMSS و PISA، يضاف إليها ارتفاع الهدر المدرسي خاصة في الوسط القروي. أمام هذا الوضع، أصبح البحث عن مقاربات عملية قابلة للتنزيل أمرا لا مفر منه، وليس مجرد ترف بيداغوجي، وفي هذا السياق برزت مقاربة التدريس وفق المستوى المناسب TaRL كحل مبتكر ومجرب هدفها المعلن هو تقليص الفوارق وتسريع استدراك التعلمات الأساس وتحقيق تكافؤ الفرص الحقيقي.


طُورت هذه المقاربة في بداية الألفية من طرف المنظمة الهندية غير الحكومية Pratham للاستجابة لمعضلة محددة، تلاميذ في المستويات 3 و 4 و 5 لا يستطيعون قراءة نص بسيط أو إنجاز عمليات حسابية أولية رغم تعميم التمدرس، الفكرة قلبت المنطق التقليدي، بدل تجميع التلاميذ حسب السن أو المستوى الإداري، يتم تجميعهم حسب مستواهم الفعلي الحقيقي في القراءة أو الحساب، وتتقاطع فلسفيا مع نظرية فيجوتسكي حول المنطقة القريبة للنمو، حيث ما ينجزه المتعلم بمساعدة المدرس اليوم يصبح قادرا على إنجازه بمفرده غدا. إجرائيا تتميز المقاربة بالبساطة والمرونة، تشخيص سريع برائز شفهي أو كتابي بسيط لتحديد مستوى كل تلميذ، ثم إعادة تنظيم مؤقت بتوزيع التلاميذ في مجموعات حسب مستوى الأداء وليس حسب القسم الأصلي، ثم أنشطة مركزة وممتعة بحصص قصيرة بأهداف واضحة تعتمد اللعب والقصة واهتمامات المتعلم لضمان الانخراط مع تتبع مستمر للتقدم.


فعالية TaRL موثقة بشكل واسع، في الهند وحدها أثبتت ست دراسات على الأقل أثرها، منها دراسة Banerjee وآخرون سنة 2007 في مومباي وفادودارا التي أظهرت تفوقا دالا للمجموعة التجريبية في القراءة والرياضيات، وخارج الهند أطلقت مبادرة TaRL Africa سنة 2019 في زامبيا وكينيا وساحل العاج، وكشفت دراسة أشرف عليها مختبر J-PAL سنة 2020 أن نسبة التلاميذ القادرين على قراءة فقرة بسيطة انتقلت من 13% إلى 49% في أقل من سنة دراسية واحدة، وهذا الرصيد هو ما شجع المغرب على استلهامها وتكييفها منذ موسم 2022-2023 تحت اسم مشروع مؤسسات الريادة.


مع الدخول المدرسي 2025-2026 دخل المشروع مرحلة التوسع غير المسبوق، حيث ارتفع عدد مدارس الريادة في السلك الابتدائي إلى 4626 مؤسسة منها 2000 إضافية يستفيد منها مليونا تلميذ بنسبة 56% من تلاميذ الابتدائي العمومي يؤطرهم نحو 75 ألف أستاذ و960 مفتشا، وفي السلك الإعدادي بلغ العدد 786 مؤسسة منها 554 إضافية تضم حوالي 700 ألف تلميذ يؤطرهم 25 ألف أستاذ و700 مفتش. أما موسم 2026-2027 فتتوجه الوزارة فيه إلى توسيع الشبكة لتشمل 6626 مدرسة ابتدائية و1286 إعدادية في أفق التعميم الكلي خلال 2027-2028.


أما عن النتائج الرسمية المعلنة فالخطاب الحكومي يتحدث عن نجاح ثوري، حيث أكد أن التلاميذ المستفيدين حققوا نتائج أفضل بنسبة 82% مقارنة بغيرهم، وبلاغات الوزارة تتحدث عن أثر يتجاوز 90% في الفرنسية و82% في الرياضيات. لكن معطيات أخرى مسربة من اجتماع مركزي بباب الرواح في نونبر 2025 ترسم صورة مغايرة، حيث كشفت أن معدل التحكم في التعلمات الأساس لا يزال في حدود 40% فيما 60% لا يتحكمون بعد ثلاث سنوات من التجريب، مع تفاوت واضح بين الأكاديميات الجهوية، وهو ما يظهر أيضا في جهة مراكش آسفي التي عرفت توسعا كبيرا في عدد المؤسسات المنخرطة، لكنها تصدرت في نفس الوقت قائمة الانقطاع في إعداديات الريادة خلال الموسم الماضي.


رغم الزخم الرسمي واجهت المدارس الرائدة موجة انتقادات قوية، فالنقابات التعليمية اعتبرت المشروع يعكس منطق التجريب التقني والتركيز على الحلول الرقمية دون معالجة المشاكل البنيوية وأنه يعزز التفاوتات ويهدد وحدة المدرسة العمومية، كما انتقدت النقابة الديمقراطية للتربية ما وصفته بالمركزية المفرطة وافتقار المشروع لإطار نظري محكم بعد ثلاث سنوات. وتم تسجيل تسريب امتحانات مؤسسات الريادة عبر الواتساب والدرايف وتعطل الدراسة في أكثر من ألفي مدرسة بداية شتنبر 2025 بسبب التكوينات، وعلى المستوى البيداغوجي انتقد الخبير محمد الدريج الربط غير الموفق بين نموذج التدريس الصريح ونموذج TaRL فيما ذهب نقاش واسع إلى اتهام المقاربة بتبسيط يصل حد تسطيح المناهج، وزاد من حدة الجدل تصريح بأن تلميذا واحدا في الريادة يعادل 80 خارجها وهو ما اعتبر مهينا وضاربا لمبدأ تكافؤ الفرص.


تظل مقاربة TaRL إجابة واقعية ومدعومة بأدلة قوية لمعالجة التعثرات المتراكمة، وقد منحت فرصة لإعادة التفكير في منطق التدريس وتفريده وبناء علاقة ثقة مبنية على النجاح التدريجي. لكن نجاحها في السياق المغربي لم يعد رهينا فقط بتجويد الأنشطة داخل الفصل، بل أصبح مرتبطا عضويا بقدرة الهيكلة التنظيمية الجديدة للوزارة على تحويلها من تجربة تقنية إلى تحول نسقي.


فالهيكلة التي دخلت حيز التنفيذ بالقرار 1275.26 والتي حلت محل هيكلة 2002، أُسست وفق هندسة تضم ثلاثة أقطاب تتشكل من مديريات عامة (المديرية العامة للعمل التربوي – محور التلميذ(ة)، والمديرية العامة لتنظيم الحياة المدرسية – محور المؤسسة التعليمية، والمديرية العامة للتخطيط والموارد والتعاقد)، وقطب الموارد البشرية محور الأستاذ(ة). هذا التقسيم هو الذي سيحدد مصير الريادة.


فمحور التلميذ(ة) عبر تفكيك مديرية المناهج إلى ثلاث مديريات حسب الأسلاك هو الضامن لعدم تسطيح المناهج. ومحور الأستاذ(ة) عبر إحداث مديرية التكوين وتنمية الكفاءات والمركز الوطني للأستاذية، هو المدخل لتجاوز منطق التكوينات المتسرعة التي عطلت الدراسة. ومحور المؤسسة عبر المركز الوطني لعلامة جودة مؤسسات التربية والتعليم والمركز الوطني للامتحانات المدرسية وتقييم التعلمات، هو ما سيضمن تقييما مستقلا وشفافا يقطع مع تضارب الأرقام.


والأهم، أن الهيكلة أحدثت بنيات إدارية متخصصة في اليقظة التربوية والحد من الهدر المدرسي، تُعنى بالرصد المبكر وإعادة إدماج المنقطعين، ومديرية مستقلة للموارد البيداغوجية والرقمية ونظم المعلومات والتحول الرقمي. وهي تحديدا البنيات القادرة على معالجة مفارقة جهة مراكش آسفي التي توسعت فيها الريادة لكنها تصدرت في نفس الوقت قائمة الانقطاع.


وبما أن التعميم الشامل بات على الأبواب، فإن عدم التفعيل الحقيقي لهذه البنيات وتجاوز تحدي تداخل المهام والتنسيق، سيجعل TaRL تتحول من رافعة لإصلاح نسقي إلى مجرد تعميم للتعثر بدل تعميم للأثر.