سياسة واقتصاد

الذكاء الاصطناعي يدفع التجارة العالمية إلى مستوى قياسي رغم الرسوم الجمركية والتوترات الجيوسياسية

كفى بريس

أظهر أحدث إصدار من «مؤشر العولمة من دي إتش إل» أن التجارة العالمية تواصل نموها بوتيرة قوية، مدفوعة بالطفرة العالمية في مجال الذكاء الاصطناعي، رغم ارتفاع الرسوم الجمركية وتصاعد التوترات الجيوسياسية، فيما يتوقع أن يتجاوز نمو التجارة خلال السنوات المقبلة المعدلات المسجلة خلال العقد الماضي.

وسجلت تجارة السلع العالمية خلال النصف الأول من عام 2026 أسرع وتيرة نمو خلال نحو 15 عامًا، باستثناء فترة الانتعاش الاستثنائي التي أعقبت جائحة كوفيد-19، مع بروز الطلب على أشباه الموصلات ومعدات نقل البيانات وغيرها من المنتجات المرتبطة بالبنية التحتية للذكاء الاصطناعي باعتباره أحد أبرز محركات هذا النمو.

وبحسب التقرير، ساهمت السلع الداعمة لتقنيات الذكاء الاصطناعي في 42% من إجمالي نمو تجارة السلع خلال عام 2025، قبل أن ترتفع مساهمتها إلى 76% خلال الربع الأول من عام 2026، وفق تحليلات منظمة التجارة العالمية ومنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية.

وفي السياق ذاته، بلغت العولمة مستوى قياسيًا عند 25.8% في عام 2025، وفق المؤشر الذي يقيس التدفقات الدولية للتجارة ورأس المال والمعلومات وحركة الأشخاص. وساهمت الفئات الأربع من التدفقات الدولية في بلوغ هذا المستوى، مع استمرار تدفقات المعلومات في تسجيل أعلى مستوى، تليها تدفقات رأس المال والتجارة، فيما ظلت حركة الأشخاص الأقل بينها.

وتشير توقعات التقرير إلى استمرار تحسن آفاق التجارة العالمية، إذ يُرتقب أن يبلغ متوسط النمو السنوي لتجارة السلع 3.4% حتى عام 2029، مقابل 2.7% خلال العقد الماضي، بما يعكس قدرة التجارة الدولية على الحفاظ على زخمها رغم الاضطرابات الجيوسياسية والتغيرات في السياسات التجارية.

وفي المغرب، يتوقع التقرير أن تنمو تجارة السلع بنسبة 9.6% خلال عام 2026، أي أكثر من ضعف معدل النمو العالمي المتوقع، والمقدر بـ4.6%. واعتبر مكرم رعد، المدير العام لشركة «دي إتش إل إكسبريس» في المغرب، أن هذه الأرقام تبرز الأهمية المتزايدة للمملكة في حركة التجارة الإقليمية والدولية، مستفيدًة من موقعها الاستراتيجي وقاعدتها الصناعية وشبكة الاتصالات التي تتوفر عليها.

وعلى المستوى الإقليمي، تصدرت منطقة شرق آسيا والمحيط الهادئ مناطق العالم من حيث نمو التجارة، بعدما ارتفعت قيمة تجارتها بنسبة 24% خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026 مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، متقدمة على أوروبا التي سجلت نموًا بنسبة 12%، وأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى بنسبة 11%.

كما ارتفعت حصة التجارة التي تجري داخل منطقة شرق آسيا والمحيط الهادئ من 57% عام 2025 إلى 60% خلال الأشهر الخمسة الأولى من 2026، مدفوعة بقوة سلاسل التوريد الآسيوية والطلب المتزايد المرتبط بتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي.

وفي المقابل، سجلت العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة والصين تراجعًا حادًا خلال السنوات الماضية، دون أن يؤدي ذلك، وفق التقرير، إلى انقسام الاقتصاد العالمي إلى تكتلات متنافسة. فقد تراجعت حصة التجارة بين البلدين من 3.5% من إجمالي التجارة العالمية في عام 2015 إلى 1.6% خلال الأشهر الخمسة الأولى من 2026، بينما أصبحت حصة البلدين من الاستثمارات الدولية أقل من 1%.

ويشير التقرير إلى أن الانخفاض في التجارة المباشرة بين الولايات المتحدة والصين لا يعكس كامل حجم الاعتماد المتبادل بينهما، بالنظر إلى استمرار دخول مواد ومكونات صينية إلى السوق الأمريكية عبر دول أخرى. وعند احتساب هذه التدفقات غير المباشرة، لم يتراجع اعتماد الولايات المتحدة على الصين سوى بشكل محدود حتى عام 2024.

ورغم بلوغ الرسوم الجمركية الأمريكية مستويات هي الأعلى منذ عقود، يرى التقرير أن تأثيرها الإجمالي على التجارة العالمية ظل محدودًا نسبيًا، بالنظر إلى أن الولايات المتحدة لا تمثل سوى نحو 13% من الواردات العالمية، فضلًا عن إعفاء ما يقارب نصف الواردات الأمريكية من الزيادات الجمركية منذ أغسطس 2026.

كما ظلت تداعيات الحرب مع إيران وإغلاق مضيق هرمز مركزة بشكل أساسي في الاقتصادات والطرق التجارية المرتبطة مباشرة بالمضيق. وانخفض حجم التجارة خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026 بنسبة 37% في السعودية و7% في الإمارات مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025.

وقال جون بيرسون، الرئيس التنفيذي لشركة «دي إتش إل إكسبريس»، إن الذكاء الاصطناعي أصبح من أبرز التطورات المؤثرة في التجارة العالمية، معتبرًا أن الطلب على الشرائح الإلكترونية ومعدات الشبكات وغيرها من المنتجات التقنية يفرض استمرار تدفق هذه السلع عبر الحدود وفي الوقت والمكان المناسبين.

من جانبه، أكد البروفيسور ستيفن ألتمان، مدير مبادرة «دي إتش إل للعولمة» في مركز مستقبل الإدارة بكلية ستيرن للأعمال في جامعة نيويورك، أن استمرار نمو التجارة رغم الرسوم الجمركية والحرب مع إيران يعكس قدرة الاقتصاد العالمي على التكيف، مشددًا على أن ازدهار التجارة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي يكشف حجم الطلب على سلع وخدمات يعتمد إنتاجها على التعاون بين شركات متخصصة عبر الحدود.

ويستند «مؤشر العولمة من دي إتش إل»، الذي كان يُعرف سابقًا باسم «مؤشر الترابط العالمي من دي إتش إل»، إلى أكثر من 30 مليون نقطة بيانات تتعلق بالتجارة ورؤوس الأموال والمعلومات وحركة الأشخاص، ويعتمد على أكثر من 25 مصدرًا عامًا وخاصًا وأكاديميًا لرصد اتجاهات العولمة والتجارة الدولية.