فن وإعلام

الإعلام والتواصل استشراف للمستقبل

جمال المحافظ (رئيس المركز المغاربي للدراسات والأبحاث في الاعلام والاتصال)
تعد الدراسة حول "منصات التواصل الاجتماعي والاتصال السياسي: بين الأثر ومخاطر التضليل"، التي أصدرتها أخيرا مجموعة العمل المعنية بموضوع « التقنين ووسائل الإعلام الرقمية » بالهيئة العليا للإتصال السمعي البصري ( الهاكا )، مبادرة إيجابية، تساهم في ملء جانبا من الفراغ الذي يعرفه حقل الاعلام والاتصال، خاصة مجال التقنين.

وبصفة عامة فإن مجموعة العمل التي تترأسها نرجس الرغاي، عضوة المجلس الأعلى للاتصال السمعي البصري، تتطرق في هذه الدراسة إلى تأثير المنصات الرقمية على الحياة الديمقراطية بالمغرب. كما تثير الانتباه إلى التضليل الإعلامي والاستقطاب الخوارزمي.

فضاءات التعبير

 وفضلا عن الدينامية الرقمية للأحزاب السياسية الممثَّلة في البرلمان، فإن الدراسة، تسلط الضوء على " حركات المواطنة محليا وخارجيا، التي جعلت من مواقع التواصل الاجتماعي فضاءات عمومية، مع تحليل لهذه المنصات باعتبارها فضاءً للتعبير عن مختلف الآراء". كما كشفت بالمقابل، بأن هذه المنصات، تتحول إلى ما وصفته ب" مرتع للتضليل الإعلامي والتلاعب الخوارزمي والاستقطاب السياسي.

 وفي هذا الصدد ترى نرجس الرغاي بأن الممارسة الديمقراطية في منصات التواصل الاجتماعي بالمغرب، "قضية تفرض نفسها في ظل التطور المتسارع للتكنولوجيا الحديثة:، موضحة بأنها " تطرح تحديات هامة بخصوص جودة الحوار الديمقراطي"، مؤكدة على أن كلا من " التضليل الإعلامي والتلاعب الخوارزمي ظاهرتان تشكلان خطرا حقيقيا،ومن شأنهما التأثير سلبا على الحوار الديمقراطي أو تشويه تصور الواقع السياسي".

وبغض النظر عن أهمية هذه الدراسة التي تم تحديد نطاقها الزمني من يناير إلى ماي 2026، قبل أشهر على تنظيم انتخابات 23 شتنبر 2026 ، فإنه من المفيد التذكير بأن التعامل الإيجابي، بدون أحكام مسبقة، مع الإشكالات التي تطرحها التكنولوجيا الجديدة، بإمكانه أن يسهم بشكل فعال في الاستخدام الأمثل لوسائط التواصل، وتمنيع المجتمع من الانعكاسات السلبية التي قد تحملها بين طياتها وسائل التواصل الاجتماعي، نتيجة سوء استخدام التكنولوجيات الجديدة، ليس فقط قبل الانتخابات وخلالها وبعدها.

الثقافة الرقمية

وفي نفس السياق فإن من شأن ادراج مادة التربية على وسائل الإعلام والاتصال في المقررات الدراسية، منذ السنوات الأولى من التعليم كما هو شأن التربية الإسلامية والوطنية، المساهمة في اشاعة الثقافة الرقمية بين صفوف المجتمع التي تسهم في الحد من انعكاساتها السلبية.كما يتطلب الأمر من جهة أخرى، رأب الصدع ما بين وسائل الاعلام ووسائط التواصل و الذكاء الاصطناعي، باعتبار أنهما قد يشكلان في حالة توظيفها بشكل إيجابي، آلية للتطوير والتحديث.

لكن هذا يتطلب أيضا، أن ترافقه سياسات عمومية ناجعة، تتلاءم مع التحولات الاجتماعية والسياسية والتكنولوجية، لتفادي الانعكاسات السلبية التي قد تنتج عن الاستخدام السيئ للتقنيات الحديثة في مجال التواصل، علاوة على عدم التعامل مع هذه التحولات التكنولوجية، بمعزل عن البيئة العامة التي ترافق الإعلام والاتصال، ووسائل التواصل الاجتماعي، على الرغم من كونهما حقلين مختلفين.

لكن يتعين البحث عن السبل الكفيلة بمد الجسور بين الإعلام، ووسائل التواصل الاجتماعي ، عوض أن يظلا جزرا معزولة. كما يقتضى الاستفادة من الإيجابيات التي توفرها هذه التكنولوجيات الحديثة، من إمكانيات وفرص عديدة، والتي يمكن تحويلها إلى أداة إيجابية، عوض استغلالها لنشر التفاهة والتشهير والتضليل ونشر المعلومات الزائفة.

البيئة الإعلامية

  إن التغيرات التي طالت البيئة الإعلامية، نتيجة الانتشار الواسع لتكنولوجيا الاتصال، أصبحت هذه التقنيات الحديثة، ليس فقط في متناول الإعلاميين، بل أيضا الجمهور، بعدما كانت الأخبار والمعلومات في تستقى من وكالات الأنباء، والصحف، والإذاعة والتلفزيون، لكن مع دخول الانترنيت في تسعينات القرن الماضي الى الفضاء العام، غيرت معالم وسائل الاعلام والاتصال، بعمق وأدت إلى ظهور فاعلين جدد في مجال النشر خاصة المعلومة الاخبارية، وهذا ما خلخل الممارسات المهنية للصحافيين، وغيّر كذلك طريقة إخبار الجمهور، وهو ما كان سببا رئيسا في إعادة توزيع الأدوار ما بين المنتجين والمستهلكين للمادة الاعلامية .

لكن بالمقابل، فبقدر ما يلاحظ إقبالا متصاعدا من لدن مختلف فئات المجتمع على استعمال التكنولوجيات الحديثة، وابحارا متزايدا في الشبكة العنكبوتية، فبقدر ما يسجل، توجسا مبالغا فيه، بدعوى «الاستخدام السيء» لهذه الوسائط، متغافلين إيجابية هذه التكنولوجيا الحديثة التي ساهمت كثيرا في رفع من سقف حرية التعبير عاليا، وأتاحت لمختلف الشرائح الاجتماعية، إمكانيات هائلة في مجال الحصول على المعلومات.

وفي هذا الصدد ينبغي التذكير، بأن عدد المشتركين في الهاتف المحمول، بالمغرب تجاوز 58,8 مليون مشترك، بمعدل انتشار وصل إلى 157.9 بالمائة في حين بلغ إجمالي عدد مشتركي الإنترنت حوالي 41,1 مليون مشترك، بمعدل نفاذ بلغ 111,5 بالمائة، وذلك بناء على إحصائيات مديرية الدراسات والتوقعات المالية وقطاع الاتصالات في المغرب إلى غاية منتصف سنة 2026.

الإثارة والشعبوية

وفي خضم عالم معولم ومتغير، تنزع فيه وسائل الاعلام والاتصال، بشكل أكبر نحو تفضيل الإثارة والشعبوية، ليس فقط بالمغرب لكن بمختلف البلدان، لكن تكون هذه الظاهرة أكثر تأثيرا ببلدان الهشاشة الديمقراطية، وهو ما يطرح تساؤلات منها ماهي الحدود ما بين تعميم المعلومات المضللة التي أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي مرتعا لها. في ظل هكذا وضع فإن الأمر يقتضى رصد التحول الطارئ ليس فقط على وسائط الاتصال ، ولكن في وسائل الاعلام التي يلاحظ بأن بعضها ينساق بدوره وراء تحقيق ما تعتبره سبقا في نشر الأخبار والصور بدون الاستناد على المعايير المهنية المعمول بها، منها الاعتماد على مصادر موثوقة، والالتزام بأخلاقيات المهنة التي تعد من الأركان الرئيسة في الأداء الصحفي والإعلامي.

فمستقبل الصحافة والإعلام والاتصال، يرتبط بمتغيرات فكرية وسياسة وثقافية وإعلامية ومجتمعية، وما تطرحه الثورة الرقمية من تحديات، مع رهانات الذكاء الاصطناعي، مع ما يلاحظ من انتشار متزايد للشعبوية. ونتيجة التوسع الهائل للتكنولوجيا الحديثة، تحول الفضاء العام إلى " فضاء إعلامي بامتياز”، الذي تشكل ضمنه وسائط الاتصال النموذج الطاغي الذي يمارس هيمنة مباشرة على إنتاج المعنى، وعلى مختلف تمثلات الرأي العام،كما جاء في كتاب " الفضاء العمومي اركيولوجيا الدعاية .."للمفكر الألماني يورغن هابرماس .

وفرة المعلومات

وفي هذا الصدد، فإن التقنيات الجديدة، وإن كانت أتاحت الفرصة للجميع الحصول على المعلومات والتبادل والتفاعل، فإنها أدت بالمقابل الى تغيير جذري في البيئة الإعلامية، وممارسة الصحافة والإعلام، منها أن الانتقال من نظام للندرة، إلى نظام مغاير وجذري عنوانه الرئيس وفرة المعلومات التي تتراوح ما بين الصحيحة والمضللة أيضا، ورافق كل هذه السياقات بتحولات عميقة، اجتماعية وسياسية وفكرية، وإعلامية وتواصلية، تغول التقنية، في العصر الرقمي ورهانات الذكاء الاصطناعي. 

وبالعودة إلى دراسة الهاكا المتوفرة باللغة الفرنسية على موقعها الالكتروني، فإنها تكشف عن تأثير المنصات الرقمية على الحياة الديمقراطية بالمغرب، وكذلك إلى التضليل الإعلامي والاستقطاب الخوارزمي، فضلا عن الدينامية الرقمية للأحزاب السياسية الممثَّلة في البرلمان. وتقدم هذه الدراسة لمحة عن بعض المبادرات التي جعلت من مواقع التواصل الاجتماعي فضاءات عمومية، مع القيام بتحليل لهذه المنصات باعتبارها فضاءً للتعبير عن الآراء وفي نفس الوقت مساحة للتضليل الإعلامي والتلاعب الخوارزمي والاستقطاب السياسي، وإبراز لمعالم مغربٍ متّصل، بالإضافة إلى تفكيك آليات التضليل الإعلامي وإعادة صياغتها.

إشكالية الشفافية

وتعتبر نرجس الرغاي في هذا السياق بأن "غموض الخوارزميات وتركُّز السلطة تحت لواء عمالقة الانترنيت، يطرحان إشكالية الشفافية والمراقبة المواطنة. ويعتبر تقنينُ الشفافية والتربية على الإعلام الرقمي وتنوع مصادر الخبر، كلها سبل لا غنى عنها لمواجهة هذا الإشكال".وشكل الحضور الرقمي للأحزاب السياسية في منصات التواصل الاجتماعي الأربعة "فايسبوك" و"إكس" و"يوتيوب" و"تيك توك"، إضافة إلى المواقع الإلكترونية الخاصة بكل حزب، جانبا من هذه الدراسة الحديثة. ومن خلال تجميع البيانات المتعلقة بالفترة موضوع هذه الدراسة خلصت الإشارة الى أنه بالنسبة لمنصة "فايسبوك"، فقد سجلت 2651 منشور على الصفحات الرئيسية ل 12 حزبا ممثلا داخل البرلمان.

أما بخصوص "تيكتوك"، فأوضحت هذه الدراسة بأنه جرى نشر 925 فيديو في حسابات ستة ( 6 ) أحزاب، في حين تم على مستوى "اليوتيوب"، نشر 507 فيديو في حسابات خمسة ( 5 ) أحزاب، ونشر 1012 منشور لأربعة ( 4 ) أحزاب على حساباتها في منصة "إكس". كما تناولت الدراسة ذاتها شقا إضافيا يتعلق بالمواقع الإلكترونية للأحزاب السياسية موضوع البحث.

وعموما، يظل "فايسبوك"، وفق الدراسة، فضاءً محوريًا لتبادل الآراء والأفكار والقرب من المواطنين، بينما يفرض "تيك توك" نفسه كوسيلة للانتشار السريع والواسع في صفوف الشباب والأجيال الصاعدة، في حين يوفر "يوتيوب" إمكانات سردية وتفسيرية، لم يتم استغلالها بما يكفي. وتتميز منصة "إكس" بسرعة التفاعل والقدرة على نقل الرسائل بسرعة داخل الفضاء الإعلامي.

ثقافة وضبط

ومن جهة أخرى، تتخصص المواقع الإلكترونية بوظيفة مؤسسية يميزها الطابع الرسمي المحض، دون أن تحظى بجاذبية حقيقية لدى المواطنين. غير أنه يظل محليا تأثير الشبكات الاجتماعية على الأفراد رهينا بقدرة المؤسسات والمجتمع المدني والمواطنين على ترسيخ ثقافة رقمية مسؤولة وضبط التجاوزات وتعزيز التربية على الإعلام الرقمي، كما جاء في خلاصات هذه الدراسة. وهكذا يظل الاعلام والتواصل ارتباطا بالتواصل السياسي، أفقا للتفكير من أجل استشراف المستقبل.

وكانت مجموعة العمل المعنية ب "التقنين ووسائل الإعلام الرقمية"، قد أصدرت دليلين، الأول حول"استخدام الإنترنيت في كامل الأمان: حسن استعمال الشباب والأطفال للفضاء الرقمي" سنة 2021، والثاني بعنوان " "دليل محاربة التضليل الإعلامي : مرجعيات وأدوات وممارسات" سنة 2022، إضافة إلى دراسة حول "الذكاء الاصطناعي، والإنتاج السمعي البصري والرقمي بالمغرب، آثار تحول تكنولوجي" صدرت سنة 2024 وقصة مصورة بعنوان "العنف الرقمي: نكسرو الحواجز بقصة مصورة" نشرت سنة 2025.