سياسة واقتصاد

الكونغرس الإسباني يريد التشدد مع المغرب فإلى أين يمكن أن يصل؟

جلال المخفي (صحفي)

طالب مجلس النواب الإسباني الحكومة بإعادة استدعاء سفيرة المغرب في مدريد، وطلب توضيحات من الرباط بشأن أحداث سبتة في نهاية يوليوز، كما طالبها باستدعاء السفير الإسباني لدى المغرب إلى مدريد للتشاور، في تصعيد برلماني جديد على خلفية الأزمة التي شهدتها المدينة.

ولا يعني تصويت البرلمان تنفيذ هذه الإجراءات الدبلوماسية. فقد أقر مجلس النواب، في 16 شتنبر، مذكرة سياسية توجه هذه المطالب إلى الحكومة، قبل نشرها في النشرة الرسمية للكونغرس في 24 شتنبر. أما قرار تنفيذها فيبقى من اختصاص السلطة التنفيذية.

وحصل البند المتعلق بالمغرب على 195 صوتا مؤيدا، مقابل 139 رافضا و13 امتناعا، وهي أعلى حصيلة تأييد بين البنود التي جرى التصويت عليها في إطار المذكرة التي تقدم بها الحزب الشعبي. وسجل الكونغرس أن المبادرة أقرت «دون تعديلات».

وتطالب المذكرة الحكومة بـ«استدعاء مجددا» سفيرة المغرب في إسبانيا، كما تطالبها بالحصول على «توضيحات واضحة» بشأن تصرف السلطات المغربية خلال يومي 30 و31 يوليوز، بما في ذلك ما إذا كانت قد سمحت أو وافقت أو سهلت دخول أعداد كبيرة إلى سبتة.

وفي البند نفسه، يطالب النواب باستدعاء السفير الإسباني لدى المغرب إلى مدريد للتشاور.

من التصويت إلى القرار

يشكل هذا التفريق بين القرار البرلماني والإجراء التنفيذي مفتاحا لقراءة التطور.

فالكونغرس لم يعلن استدعاء السفيرة المغربية، ولم يصدر قرارا بسحب السفير الإسباني من الرباط. ما أقره هو مطالبة موجهة إلى الحكومة كي تتخذ هذه الخطوات.

وبالتالي، فإن الرقم السياسي الذي أفرزه التصويت ــ 195 نائبا مؤيدا ــ يقيس حجم التأييد داخل مجلس النواب للمطالبة باتخاذ الإجراءات، وليس عدد النواب الذين صوتوا على إجراء دبلوماسي أصبح نافذا بالفعل.

ولا تثبت الوثيقة البرلمانية المنشورة في 24 شتنبر أن الحكومة نفذت أيا من الإجراءين. كما أن طلب «استدعاء السفير للتشاور» لا يعادل سحب السفير بصورة نهائية ولا قطع العلاقات الدبلوماسية.

ويأتي ذلك في وقت كانت فيه مدريد قد استدعت بالفعل السفيرة المغربية في مناسبة سابقة، ما يفسر استخدام المذكرة لعبارة «مجددا».

أزمة غير مسبوقة

وتعود المطالبة البرلمانية إلى أزمة سبتة في 30 و31 يوليوز، عندما دخل أكثر من 70 ألف شخص إلى المدينة من الجانب المغربي، وفق الأرقام التي أعلنتها الحكومة الإسبانية.

وقالت مدريد إن غالبية هؤلاء عادوا إلى المغرب خلال الساعات والأيام التالية. وأفاد رئيس الحكومة بيدرو سانشيز بأن أكثر من 90 بالمئة من الذين دخلوا عادوا إلى المغرب خلال فترة قصيرة، فيما ظلت قضية القاصرين والأشخاص الذين بقوا في سبتة موضع معالجة من السلطات الإسبانية.

لكن انتهاء الجزء الأكبر من الأزمة الميدانية لم ينه الأسئلة السياسية بشأن ظروف حدوثها.

وقد ركز الجدل في مدريد على كيفية وصول هذا العدد الكبير إلى الحدود خلال فترة وجيزة، وعلى مستوى التنسيق بين السلطات الإسبانية والمغربية، وعلى ما إذا كانت السلطات المغربية قد علمت مسبقا بحجم التدفق أو اتخذت إجراءات لتسهيله أو احتوائه.

وفي 3 شتنبر، قال سانشيز إن التقارير التي كانت بحوزة الأجهزة الإسبانية لم تتوقع حجم ما حدث، مؤكدا أن المعطيات المتاحة قبل الأزمة سجلت ارتفاعا في محاولات العبور، لكنها لم تتنبأ بوصول 70 ألف شخص. ووصف الأزمة بأنها ظاهرة «معقدة ومتعددة العوامل».

وفي 14 شتنبر، قال إن السلطات المغربية أبلغت نظيرتها الإسبانية بوصول المهاجرين، وإنها تحركت لاحقا لاحتواء التدفق، مضيفا أن مدريد تحتاج إلى «تعاون إيجابي» مع الرباط.

أزمة حدود وشراكة

وتأتي هذه التطورات في سياق علاقة أعادت مدريد والرباط ترتيبها منذ 2022، بعد أزمة دبلوماسية استمرت أشهرا.

ومنذ ذلك الحين، جعلت الحكومتان التعاون في الهجرة والأمن والاقتصاد جزءا أساسيا من علاقاتهما الثنائية. لكن سبتة ومليلية تظلان من أكثر الملفات حساسية في هذه العلاقة، بسبب ارتباطهما في الوقت نفسه بالسيادة الإسبانية وبالحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي.

ومن هنا تكتسب المطالبة البرلمانية بعدا يتجاوز أزمة يوليوز نفسها. فهي تضع الحكومة أمام ضغط داخلي لاتخاذ موقف أكثر صرامة تجاه الرباط، في حين تقول الحكومة نفسها إن التعاون مع المغرب يظل ضروريا لمعالجة الهجرة ومنع تكرار أزمات مماثلة.

سقف برلماني

وكانت المطالب تجاه المغرب يمكن أن تذهب أبعد من الصيغة التي أقرها مجلس النواب.

فالتعديل الذي قدمه حزب «فوكس» تضمن إجراءات أشد، بينها مراجعة أو تعليق معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون الموقعة بين البلدين عام 1991، وإعادة النظر في عدد من جوانب التعاون والعلاقات الثنائية، إضافة إلى مقترحات تتصل بالمساعدات والاتفاقات والتفضيلات المرتبطة بالمغرب.

لكن هذه المقترحات لم تدخل النص النهائي، الذي أقره مجلس النواب دون تعديلات. وبقيت المطالب المتعلقة مباشرة بالمغرب محصورة في إعادة استدعاء السفيرة وطلب توضيحات من الرباط، إلى جانب استدعاء السفير الإسباني للتشاور.

وهذا يحدد، في المرحلة الحالية، سقف ما أقره البرلمان: ضغط دبلوماسي على الحكومة، وليس قرارا بقطع العلاقات أو تعليق التعاون أو سحب السفراء.

إلى أين يمكن أن يصل؟

السؤال الذي يفرض نفسه بعد التصويت هو ما إذا كان الضغط البرلماني سيبقى عند هذا المستوى أم يتحول إلى إجراءات تمس جوهر العلاقة مع الرباط.

السيناريو الأقرب منطقيا داخل المسار الذي أقره البرلمان يبدأ من الدبلوماسية: استدعاء السفيرة المغربية مجددا، وطلب توضيحات رسمية من الرباط، وربما استدعاء السفير الإسباني إلى مدريد للتشاور إذا اختارت الحكومة تنفيذ المطالب. وكل هذه الخطوات، حتى في حال تنفيذها، تبقى قابلة للعكس ولا تعني قطع العلاقات.

أما الانتقال إلى مستوى أشد، مثل إعادة النظر في اتفاقات التعاون أو في معاهدة 1991 أو في أدوات الدعم والتفضيلات الاقتصادية، فيحتاج إلى قرارات حكومية وسياسية جديدة لا يتضمنها النص الذي صادق عليه مجلس النواب.

وهنا تظهر حدود الضغط البرلماني. فالحكومة الإسبانية لا تتعامل مع المغرب باعتباره ملفا دبلوماسيا معزولا، بل شريكا في ملفات أمنية واقتصادية وهجرية. وفي خضم الأزمة نفسها، لم يطرح سانشيز القطيعة مع الرباط، بل قال صراحة إن معالجة الهجرة تتطلب تعاونا إيجابيا معها.

كما أن الحكومة الإسبانية اتخذت، بالتوازي مع المسار السياسي، إجراءات داخلية واسعة في سبتة: رفعت مستوى التنسيق الأمني، وسعت قدرات الاستقبال، وأعلنت في 25 غشت اعتبار الوضع «حالة اهتمام للأمن القومي»، ثم نشرت في شتنبر عشرات التقارير والاتصالات التي سبقت الأزمة ورافقتها.

وبذلك، فإن مسار التصعيد لا يبدو محكوما بخيارين فقط، إما التساهل أو القطيعة. توجد بينهما مساحة واسعة يمكن لمدريد أن تستخدم فيها الضغط الدبلوماسي، وتشديد ترتيبات الحدود، ومراجعة آليات التنسيق، مع إبقاء قنوات التعاون مفتوحة.

الاختبار الحكومي

لذلك، فإن التصويت الذي حصل على 195 صوتا لا يجيب وحده عن سؤال «إلى أين يمكن أن يصل التشدد مع المغرب». فهو يحدد مستوى الضغط الذي استطاع البرلمان إقراره، لكنه لا يحدد السقف الذي ستختاره الحكومة.

والاختبار الحقيقي يبدأ الآن: هل تحول مدريد المطالبة البرلمانية إلى استدعاءات دبلوماسية فعلية؟ وهل تكتفي بذلك، أم تفتح ملفات التعاون الأوسع؟ وهل تستطيع، في الوقت نفسه، الحفاظ على قنوات التنسيق مع الرباط التي تقول إنها ضرورية لإدارة الهجرة وأمن الحدود؟

حتى 24 شتنبر، الثابت هو أن البرلمان طالب بالتصعيد، لا أن الحكومة نفذته. والثابت أيضا أن المقترحات الأكثر تشددا لم تدخل النص النهائي. أما الخطوة التالية، فتظل قرارا تنفيذيا بيد حكومة سانشيز.

ومن ثم، فإن أزمة سبتة لم تدفع العلاقات المغربية الإسبانية إلى القطيعة، لكنها أعادت إلى قلبها السؤال الذي حاولت شراكة 2022 تجاوزه: كيف تدير مدريد خلافا يمس أمن حدودها وسيادتها، من دون تحويل الخلاف مع الرباط إلى أزمة تضرب التعاون الذي تحتاج إليه في الحدود والهجرة والأمن؟

هذا هو الاختبار الذي يبدأ بعد تصويت 16 شتنبر، وليس نتيجة حسمها التصويت نفسه.