وأوضح فرحان، خلال جلسة بعنوان "من المساهمات الإقليمية إلى إعلان أبوظبي: مساهمات المجتمع المدني في المؤتمر الـ 15 لمنع الجريمة"، انعقدت على هامش أعمال مؤتمر الأمم المتحدة الخامس عشر لمنع الجريمة والعدالة الجنائية (26 شتنبر-01 أكتوبر 2026)، أن هذه المقاربة ترتكز على إشراك جميع الأطراف المعنية بمجال منع الجريمة والعدالة الجنائية، لاسيما مساهمة فعاليات المجتمع المدني.
وأبرز، في هذا الصدد، تجربة المغرب في تنظيم الاجتماع التحضيري الإقليمي لغرب آسيا في أبريل 2025، التي عززت قناعة بسيطة: هي أن العمل متعدد الأطراف يكون في أقوى حالاته عندما تكون الالتزامات العالمية متجذرة في الواقع الإقليمي، وأن التعاون الإقليمي يكون في أقوى حالاته عندما ينبع من إرادة وطنية، وأن العمل الوطني يكون في أقوى حالاته عندما يشرك المجتمع بأسره.
وأكد، لدى استعراضه لبعض الرؤى المستمدة من تجربة المملكة في استضافة الاجتماع التحضيري الإقليمي لغرب آسيا، أن هذه الاستضافة لم تكن مجرد مسؤولية لوجستيكية، بل عكست قناعة راسخة بأن الاستجابات العالمية في مجالي منع الجريمة والعدالة الجنائية تكون أكثر قوة وفعالية عندما تستند إلى الحقائق الإقليمية والتجارب الوطنية وأصوات الفاعلين الذين يعملون عن قرب مع المجتمعات المحلية.
وفي هذا الصدد، سلط فرحان الضوء على خمسة دروس مستفادة من تجربة المملكة، يتعلق أولها بالتخصيص الإقليمي باعتباره أمرا لا غنى عنه، معتبرا أن الجريمة العابرة للحدود الوطنية هي ذات نطاق عالمي، إلا أن مظاهرها ومواطن الضعف المرتبطة بها وعواقبها غالبا ما تكون ذات طابع محلي وإقليمي. ولهذا، فإن الاجتماعات التحضيرية الإقليمية تشكل جسرا حيويا يربط بين الواقع الوطني ووضع المعايير العالمية.
وأضاف "لقد أثبتت تجربتنا أهمية إفساح مساحة تتيح لبلدان المنطقة تحديد أولوياتها، وتبادل خبراتها، والمساهمة بشكل جماعي في النقاش العالمي".
ويهم الدرس الثاني مبدأ الشمول الذي يعزز الشرعية والفعالية على حد سوا، حيث شدد فرحان على أن الحكومات لا يمكنها اليوم التصدي بمفردها للتحديات الإجرامية المعقدة، لافتا إلى أن المجتمع المدني، والأوساط الأكاديمية، والممارسون في الميدان، والشباب، والقطاع الخاص، والمجتمعات المحلية، يمتلكون معارف وخبرات تُكمّل العمل الحكومي.
ولذا، يضيف الدبلوماسي المغربي، ينبغي ألا يُنظر إلى مشاركتهم على أنها مجرد عملية تشاورية؛ بل يجب أن تصبح، على نحو متزايد، جزءً من ثقافة حقيقية للبناء المشترك، حيث تساهم مختلف الأطراف المعنية في تحديد التحديات، ووضع آليات الاستجابة، ودعم مرحلة التنفيذ.
ويؤكد الدرس الثالث على ضرورة تحويل التنوع الإقليمي إلى مصدر للتقارب العالم، إذ أظهرت العملية التحضيرية أن المناطق المختلفة قد تقارب قضايا منع الجريمة والعدالة الجنائية من منظور تاريخي ومؤسساتي واجتماعي متنوع.
ومع ذلك، يضيف فرحان، فإن هذا التنوع لا يحول دون التوصل إلى توافق في الآراء، بل على العكس من ذلك، فعندما يندرج هذا التنوع في إطار حوار، فإن بإمكانه إغناء عملية اتخاذ القرارات متعددة الأطراف. وتلك هي بالتحديد أهمية العملية التحضيرية الإقليمية: تحويل التجارب المتنوعة إلى أولويات مشتركة، ومن ثم إلى التزامات دولية موحدة.
من جهته، يشير الدرس الرابع إلى أن الحفاظ على استمرارية الترابط بين التشاور والتفاوض والتنفيذ يعد أمرا جوهريا، حيث يتعين ألا يشكل (إعلان أبوظبي) نهاية العملية التحضيرية بل بداية جديدة، "كما ينبغي على الأفكار التي تبلورت على الصعيد الإقليمي، بما في ذلك تلك التي تم طرحها من طرف المجتمع المدني، أن ترشدنا ونحن نترجم الإعلان إلى إجراءات ملموسة".
وعليه، يضيف الدبلوماسي المغربي، يتعين النظر في إرساء آليات متابعة أكثر قوة بين مؤتمرات منع الجريمة، بما يتيح للفاعلين الإقليميين ومنظمات المجتمع المدني المساهمة ليس فقط في صياغة الالتزامات الدولية، بل أيضا في تنزيلها وتقييمها.
أما الدرس الخامس، فيؤكد على أن الشراكة ينبغي أن تتحول إلى عمل فعلي، إذ أن التعقيد الذي طرأ على الجريمة المعاصرة، من شبكات الجريمة المنظمة والفساد إلى الجرائم الإلكترونية والاتجار بالبشر والأشكال الناشئة للجريمة المدعومة بالتكنولوجيا، يتطلب تجاوز العزلة المؤسساتية.
وفي هذا السياق، أكد فرحان على الحاجة إلى تفاعل أقوى بين الحكومات ومكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة والمجتمع المدني والأوساط الأكاديمية والأطراف المعنية الأخرى، فضلا عن تكامل أكبر بين الأدوات والآليات الدولية المعنية بالجريمة المنظمة العابرة للحدود والفساد والإرهاب والتهديدات الأخرى المترابطة.
وتابع بالقول "ينبغي أن يكون الهدف واضحا: تحويل التنسيق المؤسساتي إلى تعاون عملي، وتحويل هذا التعاون العملي إلى نتائج ملموسة لمجتمعاتنا".
وخلص فرحان إلى أن "المقياس الحقيقي لنجاح هذا المؤتمر لن يقتصر في نهاية المطاف فقط على الإعلان الذي سنعتمده، بل على قدرتنا الجماعية على تحويل الأصوات الإقليمية إلى التزامات عالمية، والالتزامات العالمية إلى إجراءات وطنية، والإجراءات الوطنية إلى مزيد من العدالة والأمن والثقة لمواطنينا".






