مجتمع وحوداث

وقفات مع الإسلام المنسي.. من عمارة بيوت الله إلى رعاية عباد الله

الصادق العثماني (باحث في الفكر الإسلامي وقضايا التطرف الديني)
من القضايا التي تستحق وقفة جادة في واقع العالم العربي والإسلامي اليوم قضية اختلال الأولويات في فهم التدين وممارسة الشعائر. فالمسلمون، بحمد الله، ما زالوا يعمرون المساجد، ويقيمون الصلوات، ويصومون رمضان، ويحجون ويعتمرون، وينفقون أموالاً طائلة في تشييد المساجد وتجديدها وتوسعتها، حتى أصبحت بعض المدن والقرى تضم عشرات المساجد والمصليات المتقاربة، في الوقت الذي قد تعاني فيه المنطقة نفسها من نقص شديد في المستشفيات والمراكز الصحية ودور رعاية الأيتام ومؤسسات إغاثة الفقراء والمسنين وذوي الاحتياجات الخاصة.

وليس الإشكال في بناء المسجد، ولا في الصلاة، ولا في الصيام، ولا في الحج والعمرة؛ فهذه كلها من شعائر الإسلام العظيمة، ولا يمكن لعاقل أن يدعو إلى إهمالها. وإنما الإشكال حين تتحول بعض مظاهر التدين إلى غاية مستقلة، بينما تُهمَل الغاية الأخلاقية والاجتماعية والإنسانية التي جاءت العبادات من أجل بنائها في شخصية المسلم والمجتمع. فالمسجد الذي شيد بناؤه ربما يموت فقير من الجوع بالقرب منه، أو يعيش يتيم بلا رعاية، أو يعجز مريض عن الوصول إلى العلاج، لهذا يجب على كل مسلمة ومسلم أن يسأل نفسه وأقاربه ومحيطه: هل فهمنا الإسلام في شموله، أم اختزلناه في بعض الشعائر وأغفلنا بقية منظومته الأخلاقية والاجتماعية؟

إن القرآن الكريم لا يقدم الإنسان باعتباره رقماً هامشياً في المشروع الديني، بل يقرر تكريمه بصورة واضحة: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾، ويجعل عمارة الأرض وتحقيق العدل ومنع الظلم وإغاثة المحتاج وحماية الضعيف من مقتضيات الاستخلاف. ولذلك فإن التدين القرآني ليس طقوساً تؤدى في المسجد ثم تنتهي بانتهاء الصلاة، وإنما هو منظومة متكاملة تنتقل آثارها من المسجد إلى البيت، ومن البيت إلى الشارع، ومن الفرد إلى المجتمع.

وهنا تأتي سورة البلد لتضع أمامنا نموذجاً بالغ الدلالة في ترتيب الأولويات. يقول الله تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ ، فَكُّ رَقَبَةٍ ، أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ، يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ، ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ، أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾.

إن التعبير القرآني هنا شديد العمق: "فلا اقتحم العقبة". وكأن القرآن يلفت نظر الإنسان إلى أن الطريق إلى النجاة ليس مجرد أداء الشعائر بمعزل عن معاناة الناس، وإنما يتطلب اقتحام العقبات الأخلاقية والاجتماعية التي تحول بين الإنسان وبين فعل الخير. ثم يذكر القرآن صوراً عملية لذلك الاقتحام؛ تحرير الإنسان، وإطعام الجائع، ورعاية اليتيم، وإغاثة المسكين، ثم الإيمان والصبر والتواصي بالرحمة.

وهذه الآيات تمنحنا ميزاناً مهماً لفهم الدين والتدين معا؛ فالمشكلة ليست أن يبني المسلم مسجداً، وإنما أن يظن أن بناء الجدران وحده يعفيه من مسؤولية بناء الإنسان. وليس الخطأ أن يذهب المسلم إلى الحج والعمرة، وإنما الخطأ أن يعود من الحج بقلب لم يتغير، وسلوك لم يتغير، وعلاقة بالناس لم تتغير، بينما يبقى اليتيم يطرق الأبواب، والمريض يبحث عن العلاج، والفقير ينتظر من يمد إليه يده بباب هذا المسجد الذي بني بالقرب منه .

لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يربط العبادة بالسلوك الأخلاقي ربطاً وثيقاً. وفي الحديث الصحيح: "أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا"، وأشار بالسبابة والوسطى. وهذا يدل على عظيم منزلة كفالة اليتيم، لا بمعنى أن هذا الحديث يقرر قاعدة مطلقة بأن كفالة يتيم أفضل في كل حالة من بناء مسجد، وإنما يدل على أن رعاية الضعفاء ليست عملاً ثانوياً في الإسلام، بل هي من أبواب القرب العظيمة إلى الله.

والقرآن أشد وضوحاً في التحذير من التدين الشكلي حين يقول: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ، فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ، وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾. ثم يقول بعد ذلك: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ ، الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ، الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ ، وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾. وليس المقصود ذم الصلاة، وإنما بيان أن الصلاة التي لا تُثمر رحمة ولا أمانة ولا إحساناً ولا رعاية للضعفاء قد فقدت شيئاً جوهرياً من مقصودها التربوي والأخلاقي.

ومن هنا يمكن أن نفهم شيئاً من "الإسلام المنسي": هو ذلك الجانب من الإسلام الذي يتحدث عن الإنسان كما يتحدث عن العبادة، وعن العدل كما يتحدث عن الصلاة، وعن الرحمة كما يتحدث عن الصيام، وعن إغاثة الملهوف كما يتحدث عن الحج، وعن حفظ كرامة الإنسان كما يتحدث عن الطهارة.

لقد أنفق المسلمون عبر التاريخ أموالاً ضخمة في بناء المساجد، وهذا في ذاته باب من أبواب الخير، لكن فقه المقاصد يقتضي أن نسأل دائماً عن الحاجة والأولوية والنتيجة. فإذا كانت قرية تحتاج إلى مسجد فعلاً، فبناؤه عمل صالح. وإذا كان المسجد قائماً ولا يحتاج إلى توسعة، بينما يوجد مئات الأطفال الأيتام بلا رعاية، ومرضى بلا علاج، وفقراء بلا طعام، فإن توجيه جزء من المال إلى هؤلاء يدخل في صميم المقاصد الشرعية. فالصدقة ليست حجارة وإسمنتاً فقط؛ الصدقة قد تكون دواءً لمريض، أو غذاءً لجائع، أو تعليماً لطفل، أو كفالة ليتيم، أو مساعدة لإمرأة مطلقة أو أرملة فقدت معيلها، أو إنقاذاً لإنسان من الفقر والإذلال.

وهنا يظهر بوضوح معنى مقاصد الشريعة الإسلامية التي جاءت لحفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال والكرامة الإنسانية. فلا يمكن أن ندّعي أننا نعظم الدين بينما نهمل حفظ النفس، أو نتحدث عن العبادة بينما نترك كرامة الإنسان تُهدر، أو نكثر من الحديث عن التقوى بينما يأكل بعضنا حقوق بعض.

إن من أخطر مظاهر اختلال الأولويات أن تتحول المنافسة بين الناس إلى منافسة في حجم المسجد وجمال قبته وارتفاع مئذنته، بينما لا نجد المنافسة نفسها في بناء المستشفيات والمدارس ودور الأيتام ومراكز علاج الفقراء. لماذا لا يصبح في كل حي مسجد ومدرسة ومستوصف ومركز اجتماعي؟ ولماذا لا تتجه أموال المحسنين إلى بناء منظومة متكاملة تجعل العبادة منتجة للرحمة والتنمية والتكافل؟

الإسلام لم يطلب منا أن نعمر المساجد ونترك الإنسان في العراء. بل جعل عمارة المساجد جزءاً من الإيمان، وجعل خدمة الإنسان والإحسان إليه جزءاً من التقوى. والمسجد الحقيقي لا ينبغي أن يكون مجرد مكان لأداء الصلاة، بل يمكن أن يكون مركزاً للتربية والعلم والتكافل والإغاثة والإصلاح الاجتماعي، بحيث تخرج من أبوابه الرحمة إلى المجتمع، لا أن تنتهي عند أبوابه.

ولعل أجمل ما في آيات سورة البلد أنها لا تكتفي بإطعام اليتيم والمسكين، بل تختم المشهد بقوله تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾. فالرحمة في الإسلام ليست عاطفة عابرة، وإنما ثقافة اجتماعية ومنهج حياة. الرحمة تمنع الإنسان من ظلم زوجته، ومن أكل ميراث أخته، ومن الاعتداء على جاره، ومن احتقار الفقير، ومن استغلال العامل، ومن إهانة الضعيف، ومن التمييز الجائر بين الناس. والرحمة حين تتحول إلى مؤسسة تصبح مستشفى، ومدرسة، وداراً للأيتام، وصندوقاً للفقراء، ومركزاً لإغاثة المنكوبين.

إننا بحاجة اليوم إلى مراجعة مفهومنا للصدقة، ومفهومنا للعبادة، ومفهومنا للعمران. فليس العمران أن ترتفع القباب وحدها، وإنما أن ترتفع معها كرامة الإنسان. وليس النجاح أن تزداد أعداد المساجد فقط، وإنما أن يقل عدد الجائعين والمرضى والمشردين والأيتام والمحتاجين. وليس التدين الحقيقي بكثرة اللحى في وجوه البرلمانيين، وإنما بقدر ما تصنع العبادة من إنسان رحيم، عادل، صادق ، أمين، نافع للناس .

لقد آن الأوان أن نسأل أنفسنا السؤال الذي تضعه سورة البلد أمام ضمائرنا: من منا اقتحم العقبة؟ من أطعم الجائع حين اشتد الجوع؟ من كفل اليتيم؟ من عالج المريض؟ من أغاث المحتاج؟ من حفظ كرامة الفقير؟ من مارس الرحمة حين كان قادراً على الانتقام؟ ومن جعل من عبادته جسراً إلى الإنسان بدلاً من أن يجعلها جداراً يفصل بينه وبين معاناة المجتمع؟

إن الإسلام الذي نحتاج إلى إحيائه ليس إسلام الشعائر وحدها، فهي باقية ولله الحمد، وإنما الإسلام الاجتماعي والأخلاقي والإنساني الذي قد يغيب أحياناً خلف كثرة المظاهر. نحتاج إلى إسلام يجعل الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، والصيام يربي على الإحساس بالجائع، والزكاة تحارب الفقر، والحج يرسخ المساواة، والمسجد يحتضن المجتمع، والعالم يربي على الرحمة، والغني يشعر بمسؤوليته تجاه الفقير.

هناك، فقط، نكون قد بدأنا نفهم معنى "اقتحام العقبة"؛ لأن الإسلام الذي أراده القرآن ليس ديناً يرفع الأبنية ويترك الإنسان تحت الأنقاض، وإنما دين يرفع الإنسان، ويحفظ كرامته، ويصون حياته، ويجعل الرحمة والعدل والإحسان ثمرة طبيعية للإيمان والعبادة .