سياسة واقتصاد

القيمة المضافة والرهان على المعارضة: قراءة نسقية في إمكان التجديد

مصطفى المنوزي (محام ورئيس أكاديمية الحكامة التشريعية والأمن القضائي)

تفرض الواقعية السياسية التعامل مع نتائج الاقتراع كما أفرزتها صناديق التصويت، لا كما كان يُراد لها أن تكون. غير أن الواقعية لا تعني الاكتفاء بوصف النتائج أو تعليق السؤال عن أسبابها وشروط إنتاجها؛ بل تعني الانتقال من التفسير السببي إلى التفكير التوقعي ، أي التساؤل حول ماذا يمكن أن تنتجه الخريطة الجديدة؟ وما الفرضيات والاحتمالات التي تتيحها، من دون ادعاء اليقين بشأن مآلاتها؟

إنه وفق التفكير النسقي، لا تُقرأ النتيجة الانتخابية باعتبارها مجرد حصيلة رقمية مستقلة، وإنما بوصفها مدخلًا إلى نسق سياسي تتفاعل داخله الأحزاب والمؤسسات والقواعد القانونية وموازين القوة والذاكرة التدبيرية وانتظارات المجتمع.د ؛ لذلك، لا يتحدد معنى التجديد بتغير عدد المقاعد وحده، بل بنوعية العلاقات الجديدة التي يمكن أن تنشأ بين الأغلبية والمعارضة، وبين الحكومة والبرلمان، وبين التمثيل السياسي والمساءلة المجتمعية ؛ إذ تبرز المفارقة في أن الأحزاب الثلاثة المتصدرة للولاية الجديدة هي نفسها التي تصدرت الانتخابات التشريعية السابقة ، وهذا الاستمرار لا يعني، في ذاته، استحالة التجديد؛ لكنه يرفع احتمال إعادة إنتاج التجربة السابقة بالفاعلين أنفسهم، وبالاصطفافات والآليات والعقائد التدبيرية ذاتها. وحينئذ لن نكون أمام استمرارية مؤسساتية منتجة، بل أمام تكرار قد يتحول إلى ابتذال سياسي، وربما إلى عبث انتخابي يجعل الاقتراع مجرد مناسبة لإعادة توزيع المواقع داخل البنية نفسها.

من هنا يطرح سؤال القيمة المضافة ، اي ما الذي ستغيره الولاية الجديدة داخل بنية حزبية تبدو، في ظاهرها، مستمرة؟ وهل يمكن للفاعلين أنفسهم إنتاج مخرجات مختلفة من دون تغيير العلاقات التي تربط بينهم، ومن دون مراجعة منهج اتخاذ القرار وتوزيع المسؤوليات وأشكال المساءلة؟

قد لا تكمن الإجابة بالضرورة في استبدال حزب بآخر، وإنما في إعادة تشكيل العلاقات داخل النسق ؛ فقد يقتضي التجديد تغيير الاصطفافات، أو توسيع القاعدة الحزبية للأغلبية، أو إعادة توزيع المسؤوليات داخلها، أو بناء برنامج تعاقدي أكثر وضوحًا وقابلية للقياس ؛ فالقيمة المضافة لا تُقاس بعدد الأحزاب الداخلة إلى الحكومة، بل بقدرة التركيبة الجديدة على إنتاج اختلاف فعلي في الأولويات والسياسات وأساليب التدبير، وعلى تجنب إعادة إنتاج الاختلالات السابقة ؛ غير أن التفكير النسقي يحذر أيضًا من اعتبار توسيع الأغلبية حلًا تلقائيًا؛ فقد يؤدي التوسع، إذا لم يستند إلى تعاقد سياسي واضح، إلى زيادة التعقيد وتخفيف المسؤولية وإرباك المحاسبة ، وقد تكون أغلبية أضيق، ولكن أكثر انسجامًا وشفافية، أقدر على الفعل من أغلبية موسعة تجمعها الرغبة في المشاركة أكثر مما يجمعها تصور مشترك للإصلاح. لذلك فالسؤال ليس فقط: من سيدخل الأغلبية؟ بل: ما الوظيفة السياسية والبرنامجية التي سيؤديها دخوله؟

في الجهة المقابلة، قد يكون الرهان الأهم معقودًا على ما استجد في صفوف المعارضة من قوى ووجوه تتمتع بقدر من التميز المبدئي والأخلاقي، مستفيدة من فتوة تجربتها ومن عدم تورطها في سوابق تدبيرية أضعفت صدقية غيرها. غير أن هذه الأفضلية الأخلاقية، على أهميتها، لا تتحول تلقائيًا إلى فعالية سياسية ومؤسساتية.

فهناك فرق بين الرأسمال الأخلاقي الذي يمنح الثقة والمشروعية، والاقتدار المؤسسي الذي يسمح بتحويلهما إلى رقابة وتشريع واقتراح وتأثير ؛ وقد تكون المعارضة قوية رمزيًا، لكنها محدودة عدديًا، أو غير مكتملة الجاهزية من حيث الخبرة البرلمانية والموارد البشرية والمعرفة التقنية والقدرة على تتبع السياسات العمومية. كما قد يؤدي ضعف التنسيق بين مكوناتها إلى تبديد القيمة النوعية التي أفرزها الاقتراع.

ومع ذلك، لا ينبغي اختزال قوة المعارضة في عدد مقاعدها. ففي النسق البرلماني قد يكون للفاعل المحدود عدديًا أثر يتجاوز حجمه، إذا امتلك جودة المبادرة، ودقة المعلومة، وقوة التعليل، والقدرة على بناء التحالفات الموضوعية والتواصل مع المجتمع. فالمعارضة الفعالة لا تعترض على كل شيء، ولا تكتفي بإدانة الأغلبية، بل ترفع كلفة القرار غير المعلل، وتكشف الاختلالات، وتقترح البدائل، وتدفع المؤسسات إلى التعلم وتصحيح المسار.

وعليه، فإن الرهان الحقيقي لا يقوم على مجرد وجود معارضة مختلفة، بل على قدرتها على تحويل اختلافها الأخلاقي إلى اقتدار سياسي: التعلم السريع، وبناء الخبرة، وتوزيع الأدوار، وإنتاج المعرفة، وتنسيق المواقف من دون إلغاء التعدد ؛ فغياب السوابق السلبية يمثل فرصة، لكنه لا يشكل ضمانة؛ والنزاهة شرط للثقة، لكنها لا تعوض الكفاءة والجاهزية.

ومن منظور نسقي، لا تُنتج القيمة المضافة من داخل الأغلبية أو المعارضة منفردتين، بل من نوعية التفاعل بينهما ، فأغلبية لا تواجه معارضة مقتدرة قد تميل إلى الاطمئنان وإعادة إنتاج نفسها، ومعارضة لا تجد أغلبية قابلة للإنصات والتصحيح قد تنزلق إلى الاحتجاج الرمزي أو الاستنزاف. أما التجديد فينشأ عندما تتحول العلاقة بين الطرفين إلى توتر منتج: أغلبية تقرر وتتحمل المسؤولية، ومعارضة تراقب وتقترح وتكشف، ومؤسسات تضمن التداول على المعلومة وعلنية التعليل وإمكان المحاسبة ؛ ولذلك، فإن مواجهة سياسة الأمر الواقع لا تكون بإنكار نتائج الاقتراع ولا بتجميلها، وإنما بمنعها من التحول إلى قدر سياسي مغلق ؛ والسؤال الحاسم ليس فقط: من عاد إلى واحتل الصدارة؟ بل: ما الذي سيتغير بعودته، وما الذي تستطيع المعارضة الجديدة إضافته إلى طريقة اشتغال النسق؟

إذا لم تُنتج الخريطة الجديدة تغييرًا في الاصطفاف أو البرنامج أو الحكامة أو جودة المعارضة، فسنكون أمام ولاية جديدة زمنيًا، لكنها ليست جديدة سياسيًا. أما إذا نجحت المعارضة في تحويل رصيدها الأخلاقي إلى اقتدار مؤسساتي، ودفعت الأغلبية إلى مراجعة علاقاتها وآلياتها وأولوياتها، فإن التجديد قد يأتي من داخل البنية نفسها، لا بتغيير عناصرها كلها، بل بتغيير طريقة تفاعلها ووظائفها ومخرجاتها، وهذه هي القيمة المضافة المنشودة: ألا تكون الانتخابات مجرد تفويض بتكرار التجربة، بل فرصة لإعادة تنظيم النسق وفتح إمكانات لم تكن متاحة داخله من قبل ؛

ولعل الكرة / المبادرة ستكون من خلال خطاب جلسة الافتتاح للولاية التشريعية ، خاصة وأن هناك قضايا مصيرية مرتبطة بالقضية الوطنية ومقترح الحكم الذاتي واستكمال حلقات الجيل الجديد من الإصلاحات الدستورية والتشريعية والسياسية والموسستية ذات الصلة ، ناهيك عن قضايا التوتر مع الجوار والدبلوماسية والحوار والاستثمار ، وكافة القضايا العالقة ذات البعد الحقوقي والاجتماعي !