سياسة واقتصاد

حكومة قادمة فوق أرض بها جمر تحت الرماد!

محمد الخمسي (باحث ومفكر)

من يعتقد أن مهمة الحكومة القادمة ستكون سهلة فهو واهم وهمًا شديدًا، وذلك لأسباب عديدة منها:


1. معادلات تنزيل الحكم الذاتي التي تفرض يقظة جماعية، وفريقًا منسجمًا وإيقاعًا منتظمًا، وكفاءات حقيقية وليست كالتي عرفها المغاربة من قبل! والأكثر من ذلك جبهة داخلية قوية مساندة، وهو أمر يتطلب بناءها ورص الصفوف فيها.


2. وضع عالمي جد مضطرب، مما يصعب معه وضع استراتيجية واضحة، بل يحتاج الوضع الآن إلى سيناريوهات مرنة ومتعددة، خاصة أن مجال الطاقة أصبح جد متقلب، والإجهاد المائي لم نخرج منه.


3. موضوع البطالة وأزمة الشغل التي شملت كتلة اجتماعية قابلة للاشتعال، ولا يعرف أحد حجمها وما يمكن أن تخلقه من تهديد للاستقرار والسلم الاجتماعي، وذلك بسبب وجود طرف لن يكون لديه ما يخسره كثيرًا، وهم الشباب العاطل رغم توفره على شواهد جامعية، دون الحديث عن أكثر من مليون ونصف الذين لا يملكون الحد الأدنى من شروط الإدماج في سوق الشغل! مما يتطلب برامج خاصة بهم.


إن وتيرة خلق فرص الشغل لا تناسب حجم الأزمة وما يفرضه هذا التحدي الرهيب على كل حكومة قادمة.


4. يواجه المغرب تحديات اقتصادية واجتماعية غطت عليها وعود انتخابية مسجلة ومدونة بالتفاصيل، ستجعل أي حكومة تنتظرها هذه الوعود مع أول منعطف، وعند أول محطة اجتماعية.


5. التحديات المائية والبيئية وندرة المياه وسنوات الجفاف المتعاقبة وتراجع التساقطات المطرية يهددون الأمن المائي، وضع جعل العالم القروي يعرف هشاشة مركبة، عالمًا متوقف السرعة، بحيث إذا لم يُستثمر في استقراره سيتحول إلى معضلة الهجرة نحو المدينة، وما سيرافق ذلك من أزمات متعددة في القريب العاجل.


6. الأمن الغذائي، وقد عرت الحملة الانتخابية فشل المغرب الأخضر في تحقيق هذا الأمن، بحيث كان ولازال الإنتاج الفلاحي يستجيب لمنطق التصدير على حساب السوق الداخلي، مما ساهم في الغلاء وإضعاف القدرة الشرائية، وأثمنة اللحوم مثال واضح صارخ للفشل في مجال الأمن الغذائي.


7. غلاء المعيشة والتضخم واستمرار ارتفاع الأسعار مع ضعف القدرة الشرائية مقارنة بمستوى الأجور، كل ذلك سيجعل الحوار الاجتماعي صعبًا للغاية، ومع ضعف النقابات سيكون الشارع خيارًا من الخيارات، وبالتالي لن تكون مهمة أي حكومة قادمة سهلة في هذا الملف!


8. مراجعة الأجور وعلى رأسها الحد الأدنى، وضعف نمو الاقتصاد الوطني سيزيد من صعوبة الأزمة.


9. التحديات الاجتماعية الثلاثة المتمثلة في إصلاح التعليم وإنقاذه من الصفوف الأخيرة عالميًا، وإصلاح قطاع الصحة بتوفير تغطية حقيقية ومراجعة أثمنة الأدوية وتفعيل الولوج لقطاع صحي عمومي يقدم نفس خدمات القطاع الخاص، بالإضافة إلى ذلك تدبير ملف التقاعد، أحد التحديات والرهانات التي تحتاج إلى حل سياسي وليس تدبيرًا تقنيًا فقط.


ما سبق رهين بتحقيق دولة الرعاية الاجتماعية الحقيقية وليست دولة المؤشر الذي يتغير بسبب تعبئة الهاتف.


10. تقليص الفجوة التنموية بين المدن والقرى، وبين مختلف الجهات، لضمان توزيع عادل لثمار التنمية، فقد أصبحنا إما مدنًا من خمسة نجوم ومدنًا من صفر نجمة.


كل هذه الملفات الصعبة يرافقها مديونية متعبة لإمكانات المغرب المالية وبيئة خلقت طبقة من السماسرة والفراقشية، بعدما أنهكت وقضت على طبقة متوسطة كانت إلى عهد قريب تساهم في الاستقرار الاجتماعي، وتمثل مصعدًا اجتماعيًا وثقافيًا من أجل انتشال الملايين من التهميش والفقر.


الخلاصة:


نحن أمام حكومة إما أن تفي ببعض أو بجل وعودها في الانتخابات، وإما بسبب ضعف البنيات الوسيطة من نقابات ومجتمع مدني، وبسبب قلة الوعي السياسي ستكون حكومة مواجهة الشارع وتهديد الاستقرار والسلم الاجتماعي إذا لم تعالج الأمور والتحديات في أقرب وقت ممكن.


لا تنتظر أي حكومة قادمة جلسة شاي وكعب غزال، ولكن ينتظرها جمر شديد الحرارة لن تغطيه نشوة عدد من المقاعد، فكلنا يعرف قصة كثير من هذه المقاعد!