فن وإعلام

تاريخ أفريقي لأفريقيا … كتاب ضروري لإعادة التفكير في تاريخ القارة

كفى بريس (متابعة)
نشرت هيئة الإذاعة والتلفزيون البلجيكية العامة الناطقة باللغة الفرنسية RTBF، في 18 سبتمبر/أيلول 2026، تقريراً لوكالة الصحافة الفرنسية عن صدور النسخة الفرنسية من كتاب «تاريخ أفريقي لأفريقيا: من فجر الإنسانية إلى الاستقلالات» (Une Histoire africaine de l’Afrique. De l’aube de l’humanité aux indépendances) للصحفية والكاتبة البريطانية من أصل سوداني زينب بدوي (Zeinab Badawi)، وهو مشروع فكري وتاريخي واسع يسعى إلى إعادة قراءة تاريخ القارة من وجهة نظر أفريقية، وتجاوز الصورة التي تختزل هذا التاريخ في الاستعمار الأوروبي وما سبقه مباشرة.


وزينب بدوي، المولودة في السودان عام 1959، غادرت بلادها مع أسرتها وهي طفلة صغيرة، ونشأت في بريطانيا، لكنها حافظت على ارتباط وثيق بأصولها السودانية والأفريقية. درست الفلسفة والسياسة والاقتصاد في جامعة أكسفورد، ثم حصلت على درجة الماجستير بامتياز في تاريخ الشرق الأوسط والأنثروبولوجيا من كلية الدراسات الشرقية والأفريقية في جامعة لندن (SOAS)، التي أصبحت رئيسة لها منذ أكتوبر/تشرين الأول 2021.


وعُرفت بدوي على مدى عقود بوصفها واحدة من الوجوه البارزة في الإعلام البريطاني والدولي. عملت في التلفزيون البريطاني قبل انتقالها إلى BBC، وقدمت برامج إخبارية وحوارية دولية، من بينها HARDtalk وGlobal Questions، وأجرت مقابلات مع عدد كبير من القادة والشخصيات السياسية والفكرية العالمية. كما ترأست سابقاً الجمعية الملكية الأفريقية (Royal African Society)، وأسست شركة Kush Communications للإنتاج الإعلامي. وحصلت عام 2018 على ميدالية رئيس الأكاديمية البريطانية تقديراً لإسهامها في الصحافة السياسية الدولية ودعم تعليم النساء.


ولم يأتِ كتابها الجديد من اهتمام عابر بالتاريخ الأفريقي، بل هو حصيلة مشروع امتد سنوات طويلة. فقد أنجزت قبل الكتاب سلسلة وثائقية تلفزيونية من عشرين حلقة بعنوان «تاريخ أفريقيا مع زينب بدوي»، وتنقلت من أجلها في 32 دولة أفريقية، والتقت أكاديميين ومؤرخين وخبراء وشخصيات محلية. وتقول إن أحد المبادئ الأساسية التي وجهت عملها كان إعطاء الأولوية للمصادر والأصوات الأفريقية، بما فيها الروايات الشفوية والأغاني والذاكرة الجماعية، وعدم الاقتصار على المصادر الأوروبية المكتوبة.


وفي هذا السياق يأتي كتاب «تاريخ أفريقي لأفريقيا»، الذي استغرق مشروعه، بمراحله المختلفة، قرابة عشر سنوات. فقد جابت بدوي عشرات البلدان الأفريقية والتقت مؤرخين وعلماء أنثروبولوجيا وباحثين ومتخصصين في الثقافات الأفريقية. وبعد السلسلة الوثائقية التي أنجزتها لهيئة الإذاعة البريطانية، تحولت المادة الواسعة التي جمعتها إلى كتاب يتجاوز 500 صفحة، وحقق نجاحاً ملحوظاً في بريطانيا، حيث تجاوزت مبيعاته مئة ألف نسخة.


وتقول زينب بدوي إن قيمة الكتاب الأساسية تكمن في أنه يعكس رؤية المؤرخين الأفارقة أنفسهم. وهي تسعى من خلاله إلى التخلص مما تصفه بقصر النظر الذي خلّفه التعليم في مرحلة ما بعد الاستعمار، وإلى تفكيك الفكرة القائلة إن أفريقيا لم يكن لها تاريخ قبل وصول الأوروبيين.


وتستشهد في هذا السياق بما قاله لها أحد الرؤساء الأفارقة السابقين، من أنه يستطيع تسمية ملوك إنجلترا في العصور الوسطى، لكنه لا يستطيع ذكر أسماء ملوك وملكات أفريقيا. وترى بدوي أن المشكلة لا تقتصر على النظرة الخارجية إلى القارة، إذ إن كثيراً من الأفارقة أنفسهم لا يعرفون إلا القليل عن تاريخ مجتمعاتهم وقارتهم.


وتأمل بدوي أن يقدم كتابها رواية أكثر إنصافاً لتاريخ أفريقيا ولماضيها الاستثنائي. ولهذا اختارت ألا تجعل الحروب والاستعمار والعبودية والمآسي هي المدخل الرئيسي إلى التاريخ الأفريقي، بل أرادت إبراز اللحظات الكبرى في تاريخ القارة وشخصياتها ومؤسساتها وممالكها وعاداتها وثقافاتها التي لا تزال غير معروفة بما يكفي.


ولعل أحد أكثر الخيارات دلالة في بناء الكتاب أن تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي لا تظهر إلا في الفصل الرابع عشر من الكتاب، بعد رحلة طويلة في التاريخ الأفريقي السابق عليها. فالكاتبة تريد أن تقول، من خلال بنية الكتاب نفسها، إن تاريخ أفريقيا لا يبدأ بالعبودية ولا بالاستعمار.


يبدأ الكتاب من فجر الإنسانية ومن قصة «لوسي»، إحدى أشهر البقايا البشرية القديمة المكتشفة في أفريقيا، ثم ينتقل إلى الحضارات القديمة في وادي النيل، قبل أن يتناول الإمبراطوريات والممالك الأفريقية الكبرى، ومنها الممالك والإمبراطوريات التي قامت في مالي وغانا، ثم انتشار الإسلام في شمال أفريقيا والتحولات السياسية والثقافية والاجتماعية التي عرفتها القارة عبر قرون طويلة.


وتتعامل بدوي مع أفريقيا باعتبارها وحدة جغرافية وتاريخية متنوعة، ولا تفصل شمال القارة عن أفريقيا جنوب الصحراء فصلاً حاداً. وهي ترى، انطلاقاً أيضاً من خلفيتها السودانية، أن السودان يمثل أحد فضاءات التقاء العالم العربي بأفريقيا جنوب الصحراء، وأن التنوع العربي والأمازيغي وغيره في شمال أفريقيا جزء من التاريخ الأفريقي الأوسع.


ويمتد الكتاب وصولاً إلى مرحلة الاستعمار الأوروبي، ثم يختتم بما تسميه بدوي «مقاومة أفريقيا وتحريرها»، أي حركات التحرر وإنهاء الاستعمار التي شهدتها القارة منذ خمسينيات القرن العشرين وحتى نهاية سبعينياته.


وتشدد زينب بدوي على أنها لا تقدم نفسها بوصفها المؤرخ الوحيد لهذا العمل، بل تعتبر نفسها «صوتاً» لمجموعة واسعة من الخبراء والأكاديميين الأفارقة الذين التقتهم خلال رحلاتها. وهؤلاء، كما تقول، لا يستندون فقط إلى الوثائق المكتوبة، وإنما يمتلكون معرفة عميقة بالتقاليد الشفوية واللغات المحلية والأغاني والرقصات والموروث الثقافي للمجتمعات التي يدرسونها.


وتقول عن الكتاب إنه العمل الذي كانت تتمنى لو وجدته وقرأته بنفسها منذ زمن بعيد. وكان أحد دوافعها الأساسية إلى تأليفه مساعدة المنحدرين من أفريقيا على معرفة تاريخهم بصورة أعمق، مع تأكيدها في الوقت نفسه أن الكتاب ليس موجهاً إلى الأفارقة وحدهم، بل إلى الجميع، انطلاقاً من حقيقة أن الجذور الأولى للإنسانية تعود إلى أفريقيا.


وقد صدرت النسخة الإنجليزية من An African History of Africa في أبريل/نيسان 2024، وبيعت حقوق ترجمته إلى اثنتي عشرة لغة. كما يجري إعداد نسخة موجهة إلى الأطفال. وفي سبتمبر/أيلول 2026، أعلنت SOAS أن هذه النسخة المخصصة للقراء الصغار ستحمل عنوان Africa: History and Heroes، ومن المقرر صدورها في سبتمبر/أيلول 2027، مستفيدة من الرسوم والصور لتقريب التاريخ الأفريقي من الأجيال الجديدة.


وتكتسب الترجمة الفرنسية للكتاب أهمية خاصة بالنسبة إلى بدوي. فهي تذكّر بأن فرنسا، إلى جانب بريطانيا، كانت من أكبر القوى الاستعمارية الأوروبية في القارة، وتأمل أن تسمح النسخة الفرنسية بوصول الكتاب إلى جمهور أوسع، ولا سيما في بلدان أفريقيا الناطقة بالفرنسية.


ولا تقتصر نظرة بدوي على الماضي، بل تمتد إلى مستقبل القارة. فهي تعبر عن تفاؤلها بسبب التركيبة السكانية الشابة لأفريقيا، مشيرة إلى أن متوسط العمر فيها يبلغ نحو 18 عاماً، مقابل نحو 42 عاماً في فرنسا و38 عاماً في الولايات المتحدة.


وترفض في الوقت نفسه الصورة الشائعة التي تفترض أن جميع الشباب الأفارقة يسعون إلى مغادرة بلدانهم. وتقول إن أعداداً كبيرة منهم تحقق نجاحاً وتطوراً داخل مجتمعاتها، وإن هؤلاء الشباب يتميزون بالديناميكية والحماس. لكنها تحذر من تقديم صورة مثالية، وتؤكد أن مستقبل البلدان الأفريقية سيختلف باختلاف السياسات والخيارات الاقتصادية والاجتماعية التي تعتمدها كل دولة.


وترحب زينب بدوي أيضاً بالمساعي الرامية إلى تصحيح الصورة البصرية للعالم في الخرائط التقليدية، بحيث تظهر أفريقيا بحجم أقرب إلى مساحتها الحقيقية مقارنة بالقارات والدول الأخرى. وترى في ذلك جزءاً رمزياً من عملية أوسع للتخلص من نظرة تاريخية قللت، في رأيها، من حجم أفريقيا وأهميتها ومكانتها.


وهنا تلتقي فكرة الخرائط مع الفكرة المركزية التي يقوم عليها الكتاب كله: إعادة أفريقيا إلى مكانها في التاريخ العالمي، لا بوصفها قارة بدأ تاريخها عندما وصل إليها الآخرون، وإنما باعتبارها مهد البشرية وقارة ذات حضارات وممالك ومؤسسات وثقافات وذاكرة تاريخية ممتدة على آلاف السنين، يرويها الأفارقة هذه المرة بأصواتهم ومن منظورهم.


زينب بدوي – «تاريخ أفريقي لأفريقيا: من فجر الإنسانية إلى الاستقلالات»

(Une Histoire africaine de l’Afrique. De l’aube de l’humanité aux indépendances)

منشورات Éditions du Faubourg – 540 صفحة.