لم يُعلن أحدٌ الحربَ على القراءة. لا قانون يحظرها، ولا نار تُضرَم في الكتب، ولا خطيب يحرّض على هجرها. ومع ذلك تتراجع في كل مكان تراجعًا لم تعرف مثله منذ اختراع الطباعة. وعلاماتُه لا تحتاج إلى إحصاء: المراهق الذي لم يُكمل رواية واحدة في حياته، والطالب الجامعي الذي يطلب ملخّص الكتاب بدل الكتاب، والقارئ القديم الذي يكتشف، بشيء من الحرج، أنه لم يعد يقوى على عشر صفحات متصلة قبل أن تمتدّ يده من تلقاء نفسها إلى هاتفه.
هذه ليست حربًا، والفرق مهمّ. الحروب على الكتب كانت تُخاض علنًا، وكان لها أعداء يمكن مقاومتهم؛ أما ما يحدث اليوم فلا عدوّ فيه، بل راحة نستسلم لها طوعًا. فالقراءة لا تنهزم بالمنع، لأن المنع يوقظ الرغبة فيها؛ وإنما تنهزم بما هو أسهل منها وأسرع وأكثر بريقًا: بما يقدّم لك العالم مصوَّرًا ومختصَرًا ومهضومًا سلفًا، على إيقاع لا تختاره أنت، ولا يطلب منك شيئًا سوى أن تظلّ تنظر. الكتاب يطلب منك أن تبني الصورة بنفسك؛ الشاشة تعفيك من ذلك، وهذا الإعفاء هو الخطر.
في هذه الحلقات أدافع عن القراءة، لا بوصفها فضيلة موروثة ولا عادة نبيلة يجدر بنا الحنين إليها، بل بوصفها الطريقة التي لا يزال الإنسان يصنع بها فهمه للعالم بنفسه، بدل أن يتلقّاه جاهزًا من يد غيره. أبدأ من الدماغ والذاكرة، حيث يتكلم العلم بالأرقام لا بالمواعظ، وأمرّ بالمدارس التي جرّبت الشاشة ثم عادت عنها، ثم أتوقف عند ما تصنعه القراءة فينا: انتباهًا تدرّبه، وتمهّلًا تعلّمه، وفهمًا لا يبنيه أحد عنّا، وخيالًا توسّع مساحته، ولغةً تصقلها، ولا تفكير خارج اللغة. وأنتهي عند الفلسفة، حيث ينتظرنا السؤال الحقيقي في زمن الملخّصات الآلية: حين تقرأ الآلة بدلًا منك، هل تبقى أنت من يفكّر؟






