سياسة واقتصاد

اليسار الموحد… حين يرفض الموت السياسي؟

عبد العزيز الخطابي

لم يكن اليسار الموحد. طوال السنوات الماضية. حزبًا يعيش في أكثر الأزمنة السياسية راحة. فقد ظل يحمل أفكاره وأسئلته ومواقفه في مشهد سياسي كثيرًا ما كانت فيه الأصوات الصاخبة أكثر حضورًا من الأفكار. والمظاهر الانتخابية أكثر بريقًا من النقاش الحقيقي حول مستقبل المجتمع والدولة.

ولهذا. فإن ما حققه اليوم في هذه الانتخابات يستحق التهنئة. ليس فقط باعتباره نتيجة انتخابية. وإنما باعتباره إشارة سياسية تقول إن بعض الأفكار تستطيع أن تصمد طويلًا. حتى عندما يعتقد كثيرون أنها أصبحت جزءًا من أرشيف الماضي.

مبروك لحزب اليسار الموحد هذه البصمة.

ففي السياسة. كما في الحياة. هناك من يقيس كل شيء بعدد المقاعد. وهناك من يقيسه بقدرة الفكرة على البقاء. وبين الاثنين مسافة كبيرة.

لقد اعتاد المشهد السياسي المغربي. مثل كثير من المشاهد السياسية في العالم. أن يعلن موت بعض الأحزاب قبل أن تتأكد صناديق الاقتراع من ذلك. وما أكثر الذين يجلسون في مقاعد المتفرجين. ثم يتحولون فجأة إلى خبراء في تشييع الأفكار، فيوزعون شهادات الوفاة السياسية بسخاء لا ينافسهم فيه إلا توزيع الوعود الانتخابية.

لكن السياسة لديها عادة مزعجة بالنسبة إلى هؤلاء: أن تفاجئهم.

فالذي يبدو هامشيًا اليوم قد يصبح حاضرًا غدًا. والذي يبدو قويًا اليوم قد يكتشف أن القوة الانتخابية وحدها لا تمنح الفكرة عمرًا طويلًا.

واليسار الموحد. بعد سنوات من الحضور المتواضع والصبر السياسي. استطاع أن يقول شيئًا مهمًا: نحن هنا.

قد يختلف المغاربة مع اليسار في أفكاره أو برامجه أو طريقة اشتغاله. وقد تكون له أخطاؤه وحساباته السياسية. وهذا طبيعي في مجتمع تعددي. لكن الاختلاف مع تجربة سياسية لا يعني إلغاء حقها في الوجود. ولا يعني أن التاريخ قد أغلق صفحته في وجهها.

بل ربما يكون السؤال الحقيقي الذي تطرحه هذه النتيجة هو: لماذا تستمر بعض الأفكار السياسية في العودة. رغم كل ما يقال عن نهايتها؟

ربما لأن السياسة ليست صندوق اقتراع فقط.

السياسة ذاكرة أيضًا.

والذاكرة لا تنسى بسهولة الأحزاب التي ظلت. في نظر أنصارها. متمسكة بمواقفها في أوقات لم تكن فيها تلك المواقف مربحة انتخابيًا. كما أن المجتمع لا يظل إلى الأبد أسيرًا للخطابات الجاهزة؟ فكلما اتسعت المسافة بين الوعود والواقع. عادت الأسئلة القديمة إلى الواجهة. وربما ظهرت معها أسئلة جديدة.

من هنا يمكن قراءة بصمة اليسار الموحد اليوم بعيدًا عن المبالغة في الاحتفال أو التقليل من النتيجة.

إنها ليست نهاية الطريق. وليست شيكًا على بياض. وليست إعلانًا عن انتصار تاريخي مكتمل الأركان. لكنها. في المقابل. ليست تفصيلًا ينبغي تجاهله.

إنها لحظة تستحق التوقف.

لحظة تقول إن السياسة لا تُدفن بسهولة. وإن الأفكار التي يعتقد البعض أنها ماتت قد تحتاج فقط إلى لحظة مناسبة كي تفتح عينيها من جديد.

والآن تبدأ المرحلة الأصعب.

فالانتخابات تمنح الشرعية السياسية. لكنها لا تمنح النجاح تلقائيًا. والصوت الانتخابي مسؤولية قبل أن يكون احتفالًا. والحضور داخل المؤسسات امتحان حقيقي لأي حزب يريد أن يحول شعاراته إلى ممارسة.ومبادئه إلى سياسات. وغضبه على الواقع إلى بدائل قابلة للنقاش والتنفيذ.

لذلك. فإن التهنئة الحقيقية لحزب اليسار الموحد لا ينبغي أن تكون مجرد تصفيق للنتيجة، بل تذكيرًا بأن الطريق من الصمود إلى التأثير أطول بكثير من الطريق إلى صندوق الاقتراع.

لقد قال اليسار كلمته.

والآن عليه أن يجعل هذه الكلمة مسموعة في المؤسسات. واضحة في المواقف، ومقنعة في الممارسة.

أما الذين كانوا قد وضعوه منذ سنوات في مقبرة الأحزاب المنسية، فربما عليهم أن يعيدوا فتح دفاترهم قليلًا.

ففي السياسة. لا أحد يملك مفاتيح المستقبل.

وقد يكون ما ظنه البعض آخر فصل في الحكاية، مجرد فاصلة.

أما الشمس، فلا أحد يستطيع أن يصدر قرارًا بمنعها من الشروق.

مبروك لحزب اليسار الموحد هذه البصمة… والباقي ستكتبه الأيام.