سياسة واقتصاد

اللاءات الست لبوريطة.. الوضوح والنجاعة عقيدة للدبلوماسية المغربية

بنسعيد الركيبي
في الوقت الذي كانت فيه معركة الديمقراطية على أشدها داخل المغرب، وكانت الأحزاب تخوض آخر أمتار السباق الانتخابي نحو صناديق الاقتراع، كانت الدبلوماسية المغربية، بقيادة وزير الشؤون الخارجية ناصر بوريطة، تخوض في نيويورك معركة من نوع آخر لتثبيت موقع المغرب داخل التحولات الدولية، والدفاع عن مصالحه وقضاياه الاستراتيجية من فوق منبر الأمم المتحدة.

لقد حمل بوريطة إلى الجمعية العامة خطابا محددا في مرجعياته ومباشرا في رسائله، وجاءت "اللاءات الست" لتكثف رؤية المغرب للمرحلة المقبلة من ملف الصحراء، وتحدد أرضية الحل وإطاره الأممي ومسؤولية الأطراف، وموقف الرباط من استمرار الوضع القائم وشروط صدقية العملية السياسية وأبعادها الإنسانية.

ومن هذه الزاوية، تبدو لاءات بوريطة الست من على منبر الأمم المتحدة، إعلانا عن تحول جوهري في استراتيجية الدبلوماسية المغربية في تدبير ملف الوحدة الترابية. فقد انصب الجهد المغربي، خلال مرحلة طويلة، على ترسيخ مبادرة الحكم الذاتي دوليا وتوسيع دائرة التأييد لها، فيما تكشف اللغة الجديدة عن انتقال نحو استثمار هذا الرصيد في تحديد أرضية التسوية وقواعدها وحدودها السياسية. وهنا ينتقل مركز الثقل من حشد الدعم للمبادرة إلى توظيفه داخل العملية السياسية الأممية.

إنها مرحلة تنتقل فيها الدبلوماسية المغربية من تراكم المكاسب إلى استثمارها، ومن تثبيت موقع المبادرة المغربية في المشهد الدولي إلى السعي لجعلها في صلب النقاش حول التسوية. وتلك هي الدلالة الأعمق للاءات الست.

فقراءة اللاءات مجتمعة تكشف أن الرباط تتعامل مع الملف باعتباره دخل مرحلة مختلفة. فالحكم الذاتي تحت السيادة المغربية يشكل، وفق الرؤية التي عرضها بوريطة، أرضية الحل وسقفه، والمسار الأممي فضاءه السياسي، والتفاوض وسيلته، فيما تتحمل الأطراف المعنية مسؤولية الوصول إلى التسوية.

وتكمن أهمية هذه النقلة في أن المغرب يقدم تصورا أكثر تحديدا لما ينبغي أن تكون عليه المرحلة المقبلة. فأساس الحل محدد، والأطراف المعنية معروفة، واستمرار الوضع القائم أصبح، في تقدير المغرب، عبئا على المنطقة وعلى العملية السياسية نفسها. وبذلك تتحول المكاسب المحققة خلال السنوات الماضية إلى عناصر قوة، يراد لها أن تؤثر في اتجاه المسار، بدل أن تظل مجرد رصيد دبلوماسي.

وتحضر الجزائر بقوة في خلفية هذا البناء السياسي. فالتأكيد على مسؤولية الأطراف المعنية يضع المشاركين في العملية السياسية أمام سؤال الدور والمسؤولية. ويرتبط الانخراط في المسار، من منظور المغرب، بالمساهمة الفعلية في إخراجه من الجمود ودفعه نحو التسوية. وهكذا تصبح المسؤولية عن الحل جزءا من معادلة النزاع نفسها.

كما يحمل الخطاب رسالة مباشرة إلى البوليساريو بشأن مستقبل العملية السياسية. فالتصور المغربي للمرحلة المقبلة يقوم على تسوية سياسية واقعية ودائمة ضمن إطار الحكم الذاتي، مستندا إلى ما تعتبره الرباط تحولا متراكما في المواقف الدولية وفي مقاربة الملف داخل مجلس الأمن.

وهنا يظهر أحد أهم التحولات في الخطاب الدبلوماسي المغربي. فبعد سنوات من التركيز على شرح وجاهة مبادرة الحكم الذاتي وحشد التأييد الدولي حولها، تتجه الدبلوماسية المغربية إلى تثبيت محدداتها داخل النقاش حول شكل التسوية نفسها. وهكذا ينتقل مركز النقاش تدريجيا من إدارة نزاع طال أمده إلى شروط إنهائه.

وتتجاوز اللاءات الست، في هذا السياق، حدود الصياغة الخطابية لتصبح إعلانا عن الطريقة التي تريد بها الرباط إدارة المرحلة المقبلة، من حيث تحديد أرضية الحل وضبط مجال التفاوض، وتثبيت مسؤولية الأطراف، ودفع المسار نحو تسوية سياسية.

إنها أيضا علاقة مختلفة مع الزمن الدبلوماسي. فالتراكم الذي تحقق على مدى سنوات يكتسب قيمته حين يتحول إلى قوة تأثير داخل المؤسسات الدولية. وهنا تقاس فعالية الدبلوماسية بقدرتها على نقل ما راكمته من تأييد ومواقف إلى عناصر فاعلة في تشكيل مسار التسوية.

وعند هذه النقطة يأخذ الوضوح والنجاعة معناه باعتباره منهجا في إدارة الملف: تحديد الهدف، وحشد عناصر القوة حوله ثم استثمارها في اللحظة السياسية المناسبة.

وبينما كانت صناديق الاقتراع في المغرب تكتب فصلا جديدا من معركة الديمقراطية في الداخل، كانت الدبلوماسية المغربية تخوض من نيويورك معركة أخرى فوق رقعة المصالح الدولية. اختلفت الساحتان وتباينت الأدوات، فيما بقي الرهان واحدا، دولة تدبر اختياراتها في الداخل، وتحصن مصالحها في الخارج.