قبل انطلاق الانتخابات التشريعية الأخيرة، آثرت الصمت المطبق، ولم أرغب نهائيا في إعطاء رأيي في أي حزب من الأحزاب المتنافسة، ولا في طرح تصوري الخاص لما ينبغي أن يكون عليه حال تدبير الحملات الانتخابية بالبلاد.
فضلت الترفع عن الخوض في تلك المعمعة التي كانت تعج بالضجيج، وقلت مع نفسي، بعد أن تنتهي الانتخابات وتضع الحرب اللفظية أوزارها، لا مشكلة حينها أن أكتب ما لم أكن أرغب في كتابته قبلها.
لقد تعمدت هذا التأجيل حتى لا يقال بأن جهة ما سخرتني لضرب هيئة سياسية معينة، وخصوصا حزب الأستاذ عبد الإله بن كيران، الذي لو كتبت شيئا عنه قبل أن تنتهي الانتخابات، لكانت التهمة الجهادية جاهزة ومعلبة في صالوناتهم ومواقعهم، وهي أنني متصهين أنفذ أجندة لضرب صوت الأمة والشرعية.
أما الآن، وقد حُسمت المقاعد وانكشفت الأرقام، فقد حق القول، ووجب الصدح بالحقائق دون حسابات انتخابية ضيقة.
وعليه، فإنني يمكنني أن أقول بدون مواربة، بأن الأستاذ عبد الإله بن كيران، آن له أن يعطي الراحة لنفسه...
نعم، الأستاذ عبد الإله بن كيران آن له أن يعطي الراحة لنفسه وأن يستفيد بهدوء من معاشه الذي يتقاضاه، والذي هو معاش يُقدر بالملايين، وآن أيضا لشباب حزبه أن يقولوا له شكرا لك يا شيخنا، لأنك رغم سنك الذي يفوق 72 سنة انتقلت بنا من الحضيض في انتخابات 2021 إلى الرتبة الرابعة في انتخابات 2026 ببهلوانيات خطابية تقوم على الذم والشتم واللعن والتخوين.
وربما عليهم أيضا أن يفهموا بأن منصب رئيس حكومة في الدول القوية، منطقيا وسياسيا وعقلانيا، لا يحتاج صاحبه في كل خطاب إلى ترديد لازمة "واش فهمتيني أو لا لا"، بل يحتاج إلى أن يكون قادرا على أن يفهمه الناس دون أن يطرح عليهم السؤال هل فهموه أم لا، لأن لا أحد يمكن أن يفهم شخصا يقول له:
"أنا لو أصبحت رئيس حكومة لن أزيد الموظفين في رواتبهم".
و"أنا الذي زدت في سن التقاعد وأصبح 63 سنة ويجب أن يرتفع أكثر ويصل إلى 65 سنة".
و"أنا الذي رفعت الأسعار بالتخلي عن دعم مواد استهلاكية وإزالتها من المقاصة".
و"كان عليَ أن أزيل مواد أخرى من المقاصة مثل السكر والدقيق وغاز البوتان".
نعم.
إنه يقول بحماس وثقة في النفس كل هذا، معتبرا أن رفع الدعم عن الدقيق والزيت والسكر وغاز البوتان هو حل للفقر، مقترحا تحويل الدعم إلى الطبقة الفقيرة من خلال منحها 500 أو 700 درهم شهريا بدل دعم قدرتها الشرائية عند رفع الدعم عن المواد الأساسية وعن غاز البوتان.
نعم.
يقول هذا وهو لا يعي أن خطورة مثل هذا الإجراء تتمثل في الوهم الساذج لما يسميه هو بالدعم النقدي المباشر، وفي تغليط الطبقة الفقيرة حين يوهمها بأن منحها 500 أو 700 درهم هو إنجاز تاريخي، بينما يغض الطرف عن الحقيقة المرة التي تتمثل في أن هذا المبلغ سيتبخر ويتحول إلى خسارة مضاعفة تفوق 1000 درهم إضافية يكتوي بها المواطن في قفة السوق اليومية، وفي مصاريف وسائل النقل، وفواتير الكساء، والعلاج، ومصاريف التمدرس، والماء، والكهرباء.
فغاز البوتان، والدقيق، والسكر، والزيت ليست سلعا يستهلكها المواطن في بيته دون ارتباطها بسلسلة اقتصادية شاملة.
إنها عصب السلسلة الإنتاجية الفلاحية والصناعية في البلاد.
ورفع الدعم عنها يعني إشعال حريق تضخمي مسترسل، يرفع تلقائيا ثمن الخضار والفواكه والحليب والوجبات الشعبية، لأن المزارعين والمنتجين سينقلون عبء التكلفة الجديدة إلى جيب ذلك الفقير نفسه، ليجد في النهاية هذا الفقير أن الزيادة التي دخلت عنده من الباب وهو يضحك، سرقتها منه الأسواق بأضعاف مضاعفة منه دون أن تستأذنه ولا أن تسأله هل هو راضٍ أم لا.
الأخطر من ذلك، أن هذا المنطق المحاسباتي الجاف يُشكل عملية طحن ممنهجة للطبقة المتوسطة، التي تُعتبر الفئة الأكثر مساهمة في الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في المغرب.
فهذه الطبقة تجد نفسها محرمة ومقصية من ذلك الدعم المباشر بسبب عتبات السجل الاجتماعي الموحد الجائرة، وفي الوقت ذاته تُترك وحيدة لتواجه نيران الأسعار المحررة والتهاب المعيشة، مما يدفع بها قسرا نحو الاندحار والنزول إلى مستنقع الفقر.
إن إدارة شؤون دولة وشعب لا يمكن أن تختزل في منطق مقاولة تبحث عن توازن الأرقام على حساب السلم الاجتماعي.
فدعم المواد الأساسية كان دائما هو الدرع الذي يحمي المغاربة من تقلبات الرأسمالية الشرسة والصدمات الخارجية، والتخلي عنه ليس شجاعة سياسية، بل هو تملص من الأدوار الحمائية للدولة، وترك المواطن البسيط عاريا أمام غلاء لا يرحم.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد من الجفاف التدميري للقدرة الشرائية في خطاب الأستاذ بن كيران، بل إنه في منتصف سبتمبر 2026، وخلال مهرجان خطابي لحزبه بمدينة تطوان ضمن الحملة الانتخابية، أدلى بتصريح ينهل من فكره المعروف، ذي الصبغة الخطابية المعتادة القائمة على الدغدغة العاطفية واستدعاء المشترك الديني لتهوين الأزمات المعيشية الحارقة، حيث وجّه كلامه للحشود قائلا:
"مشكلتنا ماشي هي اللحم بـ 140 درهم ولا الدجاج… سمحوا ليا المغاربة نقوليكم أن أهم شيء هي عقيدتكم ودينكم، راه بهاد الدين باش عشتوا 13 قرن هادي، واش كنتوا عايشين بالدجاج واللحم؟ إيوا باش عوالين تعيشوا في المستقبل؟".
من خلال هذا الربط العجيب والخطير بين العقيدة واللحم والدجاج حاول الأستاذ بن كيران تصوير المطالبة بلقمة العيش الكريم وبتناول البروتينات على أساس أنه نوع من الرفاهية الدنيوية التي يمكن التخلي عنها في سبيل الحفاظ على الهوية والدين، وهو ما يُمثل ذروة التغليط السياسي ومحاولة تخدير أدمغة الفقراء.
فالعقيدة هي أمر روحي خالص وثابت بين المواطن وبين خالقه، وهي عقيدة تجمع الناس عامة ولا دخل لها مطلقا في تدبير السياسات العمومية وعجزها.
وفي المقابل، فإن اللحم مادة غنية بالبروتينات والمغذيات الحيوية التي يحتاجها الناس كي تكون تغذيتهم صحية ومتوازنة وتصون أجساد أطفالهم من الأمراض، ولن تمنحها لهم محلات الجزارة بناء على مستوى إيمانهم وعقيدتهم.
إن الفقراء الذين تتزايد عليهم أعباء ثقيلة بسياسة رفع الدعم عن المواد الأساسية وغاز البوتان، يحتاجون أن يأكلوا اللحم ويقووا أبدانهم مثلهم مثل أصحاب البطون المنفوخة الذين يتقاضون معاشات سمينة بالملايين، والذين تم تأمين الوضع الاجتماعي لأفراد عائلاتهم وأبنائهم بوظائف جيدة وبامتيازات ينالونها بالوساطة والمحسوبية.
وإن محاولة استغلال المشاعر الروحية والمقدسات لتبرير بلوغ سعر اللحم لـ 140 درهما، والطلب من المواطنين الاكتفاء بالشعارات والمواعظ، هو تملص صريح من المسؤولية يعكس انفصالا تاما عن الواقع المعيشي القاسي للمغاربة.
لهذه الأسباب يمكنني أن أقول اليوم بأنه من الخير للأستاذ بن كيران أن يقبل عن طيب خاطر الارتكان للراحة، وأن يختلي بنفسه مكرسا ما بقي من أيام حياته في هذه الدنيا الفانية التي الله سبحانه وتعالى هو العليم بكم بقي له فيها، للعبادة والتأمل في ما له علاقة بالروح والعقيدة، وأن يبتعد عن خلط تأملاته في الملكوت وفي العوالم السرمدية مع قضايا تدبير الشأن العام التي تحتاج إلى عقل نبيه وتفكير وجيه، وليس إلى ما يعمد إليه الأستاذ الجليل من خطابات، قد تفيده في التحريك العاطفي للحشود، لكنها لن تنفع المواطنين في تحقيق ما يطمحون إليه الآن.
وهذا ما كان






