سياسة واقتصاد

حين ينتهي البرنامج الانتخابي في كيس النفايات.. الوعود التي يكنسها الآخرون ..

عبد الفتاح فاكهي (تدوينة)

تحت الجسر، على رصيف صغير، كان رجل النظافة التابع للإنعاش يحمل كيسا بلاستيكيا كبيرا، وأمامه مئات المنشورات الانتخابية وقد انتهت مهمتها السياسية وبدأت حياتها كنفايات...

ينحني الرجل، يلتقط ورقة و ينهض.. يضعها في الكيس، ثم ينحني من جديد... ورقة ورقة. تأملت المشهد وسألت نفسي: كم انحناءة يحتاجها لتنظيف ما نثرته الحملة في دقائق؟ كم من الوقت والجهد البشري يلزم لمحو أثر دعاية لم يعد أحد يلتفت إليها؟ 

مفارقة تستحق التأمل: منشورات تعد المواطن بحسن تدبير المدينة، بينما يحتاج عامل بسيط إلى تنظيف المدينة من بقايا ذلك الوعد. كأن أول امتحان للبرنامج الانتخابي لم يكن في صندوق الاقتراع، بل على الرصيف.


والأغرب أننا في زمن تستطيع فيه رسالة رقمية أن تصل إلى آلاف الأشخاص دون أن تسقط ورقة واحدة على الأرض. ومع ذلك يستمر أحيانا منطق الإغراق: اطبع أكثر، وزع أكثر، املأ الشوارع أكثر، كأن كثرة الورق تعني كثرة الإقناع. لكن الرقمي بدوره ليس خلاصا مطلقا...فالورقي قد يلوث المكان، والرقمي قد يلوث الانتباه. المشكلة أعمق من اختيار الوسيط: إنها ثقافة سياسية في التواصل. هل نريد مواطنا يفكر في برنامج، أم عينا نصطادها بصورة؟ وهل الوعي البيئي فقرة جميلة نضعها في البرنامج، أم سلوك يبدأ من طريقة إنتاج الحملة نفسها؟ المواطنة البيئية لا تعني أن نطالب المجلس البلدي بتنظيف ما نرميه، بل أن نسأل أولا: لماذا رميناه؟

ظلت في ذهني صورة ذلك الرجل أكثر من صور المرشحين جميعا: فالآخرون أنتجوا الأثر، وهو مطالب بمحوه... وآخرون احتاجوا ثانية لرمي الورقة، وهو يحتاج انحناءة كاملة لالتقاطها. هنا تصبح النفاية سؤالا في العدالة والمسؤولية والكرامة: من يدفع كلفة أفعالنا الصغيرة حين نغادر المكان؟ 

ربما تحتاج السياسة إلى درس متواضع من عامل النظافة نفسه: الشأن العام ليس ما نقوله عن المدينة، بل ما نتركه فيها بعد مرورنا. 

ومن يريد غدا أن يدبر المدينة، فليبدأ اليوم بألا يترك وراءه ما يحتاج او يضطر مواطن آخر إلى أن ينحني ليلتقطه....