مجتمع وحوداث

حين يصبح الصمود نفسه موضوعًا للنقد.. تفاعل نقدي مع أطروحة النقيب عبد الرحيم الجامعي حول الرجوع المؤقت

مصطفى المنوزي (رئيس أكاديمية الحكامة التشريعية والأمن القضائي)

يستحق نص النقيب عبد الرحيم الجامعي، المؤرخ في 7 شتنبر 2026، أن يُناقش بالجدية نفسها التي يدعو بها إلى مناقشة الخيارات المهنية؛ لأنه لا يعرض مجرد موقف مؤيد للرجوع المؤقت إلى العمل، بل يضع يده على سؤال أصبح من الصعب تأجيله: هل استمرار وسيلة احتجاجية دليل في ذاته على الصمود، أم أن الصمود الحقيقي يقتضي أحيانًا امتلاك الجرأة على مراجعتها؟

أتقاطع مع جوهر هذه الأطروحة، لكن التقاطع معها لا يعفينا من مساءلتها ، بل إن الوفاء لمنطقها النقدي نفسه يفرض إخضاع الرجوع المؤقت للصرامة التي يخضع بها النص الاستمرار المفتوح. 

الاختلاف ليس ضغطًا، والانضباط ليس صمتًا : 

يبدأ النقيب الجامعي من قاعدة يصعب الاختلاف معها: مناقشة قرارات المؤسسات المهنية ليست ضغطًا عليها، والقول بعكس ذلك ينتهي، من حيث لا نشعر، إلى مطالبة المحامين بالصمت والتلقي بدل التفكير والمناقشة ، والنص واضح في اعتبار الاقتناع أساس الالتزام، والاختلاف والتنافس بين التصورات علامة نضج مهني وديمقراطي ؛ غير أنه ينبغي الذهاب بهذه الفكرة إلى نهايتها المنطقية ؛ فإذا كان الدفاع عن الاستمرار حقًا، فإن الدعوة إلى التعليق حق أيضًا؛ وإذا لم يكن اقتراح الاستمرار مزايدة على المؤسسات، فلا يجوز اعتبار اقتراح التعليق ضغطًا عليها أو تشكيكًا في الصمود ؛ وبالمقابل، لا ينبغي أن يتحول شعار احترام المؤسسات إلى طريقة ناعمة لتحصين الخيارات من النقد ؛ لأن الانضباط يبدأ بعد القرار؛ أما ما قبله فمجاله التداول والاقتراح والاختلاف ؛ وهذا هو التضامن النقدي الذي تحتاج إليه المهنة اليوم: وحدة في المؤسسة، وتعدد في الرأي، ثم انضباط في التنفيذ.

المطلب شيء، والوسيلة شيء آخر : 

أقوى ما في أطروحة الجامعي هو التمييز بين المطلب والخط الاستراتيجي ووسيلة الضغط والنتيجة المنتظرة ؛ وهذا التمييز ليس لغويًا، بل يضرب في صميم الإشكال الراهن ؛ فقانون 66.23 ومقتضياته وآثاره هو موضوع النزاع، والدفاع عن استقلال المحاماة وحقوقها هو الغاية؛ أما التوقف عن تقديم الخدمات فهو وسيلة تاريخية اختيرت في ظرف محدد لتحقيق غرض محدد.

ولذلك يصبح من المشروع، بل من الواجب، أن نسأل: بأي منطق تتحول وسيلة قابلة للتقييم إلى معيار لقياس الوفاء للمبدأ؟

الأشد خطورة أن ننزلق إلى حجة دائرية: المطلب لم يتحقق، إذن يجب استمرار التوقف؛ ويجب استمرار التوقف لأن المطلب لم يتحقق ؛ وهذه الحجة تثبت شيئًا واحدًا: أن المعركة لم تنته ،لكنها لا تثبت أن الأداة نفسها لم تستنفد جزءًا من قدرتها على التأثير؛ 

فتغير الظروف لا يعني آليًا الرجوع... لكنه يسقط بداهة الاستمرار: 

هنا ينبغي أن نكون أكثر دقة من أطروحة الرجوع نفسها.

يعتبر النص أن نشر القانون ودخوله مرحلة التطبيق غيّرا المعطى المركزي للمعركة، وأن مرحلة تطبيق القانون ليست مرحلة مناقشته وهو مشروع ، وأتفق مع التشخيص، لكنني أتحفظ على النتيجة الآلية التي قد تستخلص منه؛ فتغير الظروف حجة حاسمة لإعادة التقييم، لكنه ليس وحده حجة حاسمة للرجوع ؛ 

فقد يقود التقييم إلى التعليق، وقد يقود إلى استمرار محدود زمنيًا، أو إلى تخفيف التوقف، أو إلى توزيع الاحتجاج بين أدوات مختلفة؛ لكن شيئًا واحدًا يصبح غير مقبول بعد تغير المعطيات: أن يُطالب أصحاب فكرة التعليق وحدهم بتبرير موقفهم، بينما يعفى الاستمرار من عبء الإثبات ؛ فمن يدعو اليوم إلى الاستمرار مطالب هو أيضًا بالإجابة: ما الذي سيحققه شهر إضافي لم تحققه الأشهر السابقة؟ ما المؤشر الذي سيقيس به تقدم الوسيلة نحو الهدف؟ ومتى يصبح استمرارها استنزافًا بدل أن يكون ضغطًا؟

لقد انتقل عبء البرهنة من إثبات مشروعية التوقف إلى إثبات فعاليته الراهنة.

لا ينبغي أن نقع في أسر «الكلفة الغارقة» : 

لقد تحمل المحامون كلفة مهنية ومادية ونفسية واجتماعية معتبرة، والنص نفسه يقر بأن تعليق العمل كان مرتفع الكلفة ولم تكن آثاره محصورة في المحامين ؛ لكن هنا تظهر مفارقة ينبغي الحذر منها: كلما ارتفعت التضحيات السابقة، أصبح الإنسان أكثر ميلًا إلى الاستمرار حتى لا يشعر بأن تلك التضحيات ذهبت سدى؛ وهذا ليس دائمًا تفكيرًا استراتيجيًا ، فالتضحيات السابقة رصيد معنوي وسياسي يجب تثمينه، لا دينًا يلزمنا بمراكمة تضحيات جديدة. لذلك فالسؤال العقلاني ليس: كم ضحينا حتى الآن؟

بل: ماذا ستضيف التضحية المقبلة إلى ميزان القوة وإلى إمكانية تعديل القانون؟

ومن هنا فإن الوفاء لمن صمدوا لا يكون بالضرورة بمطالبتهم بالصمود إلى ما لا نهاية، وإنما بحسن استثمار ما راكموه من شرعية ووحدة ووعي مهني.

ولكن الرجوع المؤقت ليس كلمة سحرية : 

هنا ينبغي أن يمتد النقد إلى أطروحة التقيب الجامعي نفسها؛ 

فالنص يقترح رجوعًا مؤقتًا ومرحليًا، تقرره المؤسسات، محددًا في الزمن، ومصحوبًا ببرنامج تعبوي ومهني وقانوني وترافعي. 

هذا جيد من حيث المبدأ، لكنه غير كافٍ من حيث الضمانات.

فـ«المؤقت» وصف للنوايا، وليس نظامًا للقرار .

ماذا لو رجعنا ولم يفتح حوار جدي؟ ماذا لو دخلنا مرحلة الانتخابات وتراجع الاهتمام السياسي بالملف؟ ماذا لو فقد الجسم المهني زخمه؟ ومن سيقرر أن فترة الاستراحة انتهت؟ وبأي معيار؟ وهل نستطيع فعلًا إعادة التعبئة بالسهولة التي نعلق بها التوقف؟

لهذا فإن الدعوة إلى الرجوع تصبح ضعيفة إذا لم تجب عن سؤال اليوم التالي للرجوع.؛ وكما نرفض استمرارًا مفتوحًا بلا أفق، ينبغي أن نرفض تعليقًا مفتوحًا بلا شروط ؛ وهذا هو وجه الاختلاف مع النقيب الجامعي ، وعلى القيادة المهنية أن تعتبره وتنحت في ملامح الجواب على الإشكال ! 

أقوى حجة للاستمرار ينبغي ألا تُهمَل : 

سيكون من غير المنصف اختزال أنصار الاستمرار في العاطفة أو الحدية ؛ فلديهم حجة استراتيجية جدية ، فالتوقف لم ينتج فقط ضغطًا؛ بل صنع وحدة مهنية وزخمًا ورأسمالًا تعبويًا، وقد يكون تفكيك هذا الرصيد أسهل كثيرًا من إعادة بنائه؛ بل إن النص نفسه يعترف بأن الاحتجاج أحدث تعبئة ووعيًا جماعيًا، وعزز الهوية المهنية والقدرة التفاوضية وأعاد تعريف القضية داخل المجال العام ، هذه حجة ينبغي أخذها بمنتهى الجدية ؛ لكنها لا تستطيع بدورها أن تتحول إلى حصانة أبدية للتوقف. فالزخم مطلوب لكي نستثمره، لا لكي نستمر في إنتاجه إلى أجل غير معلوم ؛ فالوسيلة التي كانت تنتج قوة في بدايتها قد تبدأ، بعد نقطة معينة، في استهلاك القوة نفسها التي أنتجتها ؛ وهنا يكمن سؤال الصمود الحقيقي: هل ما زلنا نضغط على الطرف الآخر، أم بدأنا نضغط أساسًا على قدرتنا الذاتية على الاحتمال؟

من سؤال الصمود إلى سؤال الاقتدار : 

ليس السؤال الأخلاقي: من أكثر وفاءً للمهنة؟

وليس السؤال النفسي: من يستطيع الاحتمال أكثر؟

ولا السؤال التعبوي: من يرفع سقف الخطاب أعلى؟

إن السؤال الاستراتيجي هو: ما قدرتنا الفعلية على مواصلة الوسيلة، وما مردودها المتوقع، وما البديل المتاح، وما الاحتياطي الذي ينبغي الحفاظ عليه للمراحل المقبلة؟

وهذا هو الفرق بين الصمود بوصفه فضيلة مجردة، والصمود بوصفه اقتدارًا قابلًا للقياس ؛ فقد يكون تعليق التوقف في لحظة معينة عين الصمود، إذا كان يحفظ القوة لجولة أخرى؛ وقد يكون الاستمرار هو الخيار الصحيح إذا أثبت التقييم أنه ما زال قادرًا على تغيير ميزان القوة ؛ فالمعيار ليس اسم الوسيلة، وإنما مردودها بالنسبة إلى الهدف.

لنتوقف عن سؤال: من انتصر داخل المهنة؟

ربما يكون أخطر ما يمكن أن يقع الآن هو أن تتحول مناقشة الوسيلة إلى معركة داخل المعركة: «تيار الاستمرار» في مواجهة «تيار الرجوع» ، وحينها نكون قد نقلنا التناقض من القانون ومضامينه إلى داخل الجسم المهني ، إذ لا ينبغي أن ينتصر أنصار الرجوع على أنصار الاستمرار، ولا العكس ؛ فالمطلوب تحويل التراكم الكمي للمواقف إلى توافق نوعي للإرادات: أن يأخذ القرار من أنصار الاستمرار ضرورة المحافظة على الضغط واليقظة والجاهزية، ومن أنصار التعليق ضرورة اقتصاد المجهود وتغيير الوسيلة مع تغير المرحلة ؛ فلا غالب ولا مغلوب؛ لأن التنافس الشريف في الحجج أقوى من التنازع الحدي حول النيات.

ما بعد التوقف: هنا يبدأ الاختبار الحقيقي : 

لهذا أميل إلى تعبير أدق من «الرجوع إلى العمل»: أي تعليق مؤقت للتوقف الشامل، مقابل استئناف منظم للمبادرة المهنية ؛ 

لكن هذا التعليق لا تكون له قيمة استراتيجية إلا إذا اقترن بأجل واضح، وبرنامج ترافعي وتشريعي وقضائي ومؤسساتي، وكذا تعيين مؤشرات لتقييم النتائج، وموعد مسبق لإعادة التقييم، وسلم احتجاج يسمح بالعودة إلى أدوات أشد إذا ثبت انسداد الأفق ، وعندئذ فقط يمكن القول إننا لم نتراجع، وإنما غيّرنا موقع الاشتباك ، وإذا لم نستطع تحديد هذه الشروط، فإن الدعوة إلى الرجوع تبقى ناقصة بقدر ما تبقى الدعوة إلى الاستمرار المفتوح ناقصة.

لا نقدّس الصمود ولا نبتذل الرجوع : 

أحسب أن القيمة الأساسية في نص النقيب الجامعي تكمن في جرأته على كسر تطابق خطير بدأ يتسلل إلى النقاش: الصمود يساوي استمرار التوقف، والرجوع يساوي التراجع عن المبدأ؛ 

فهذه معادلة لا تستقيم ؛ غير انه ينبغي ألا نستبدلها بمعادلة معكوسة لا تقل اختزالًا: العقلانية = الرجوع، والاستمرار = العاطفة، فكلاهما يحتاج إلى البرهنة ؛ وقد أصاب النص حين حذر من أن تتحول وسيلة تعليق العمل إلى هدف، ومن أن تنقلب حركة الضغط، عندما تعجز عن تغيير أدواتها مع تغير الظروف، إلى استنزاف يتفتت بصمت ؛ لكن السؤال الذي ينبغي أن يسبق القرار ليس: هل نرجع أم نستمر؟

بل: أي قرار، في هذه اللحظة بالذات، يحفظ قوة المهنة اليوم، ويزيد قدرتها على تعديل القانون غدًا، ولا يستهلك قدرتها على خوض ما قد يكون أطول من هذه الجولة؟

فالثبات على المبدأ لا يعني الثبات على الوسيلة، كما أن تغيير الوسيلة لا يكون فضيلة في ذاته ، لأن النضج الاستراتيجي يبدأ عندما نمتلك الشجاعة لنضع الوسيلة نفسها في قفص المساءلة، وأن نقبل مسبقًا بالنتيجة التي ستنتجها الحجة والواقعة، لا النتيجة التي يمليها علينا موقعنا السابق منها.