فالكلمات، حين تخرج من أفواه الذين يمسكون بمفاتيح القرار، لا تبقى مجرّد كلمات؛ تتحوّل إلى إشارات، وتفتح أبوابًا للتأويل، وقد تكشف منطقًا كاملًا كان يختبئ خلف اللغة.
وحين نسمع حديثًا عن الغنائم، وعن الاصطياد، وعن رفض ثقافة توزيع ما لم يُصطد، يصبح من حقّنا أن نسأل:
أيُّ سياسةٍ هذه التي استعارت من البرية قاموسها؟
وأيُّ انتخاباتٍ هذه التي صار فيها الصيد استعارةً، والغنيمة عنوانًا، والفرائس حاضرةً في خلفية المشهد؟
متى أصبح الموقعُ العام شيئًا يُقتنص؟
ومتى صار الخصمُ طريدة؟
ومتى تحوّلت المنافسةُ السياسية من اختلافٍ في المشاريع إلى سباقٍ على الغنيمة؟
الأخطر من الكلمات… أن تتحوّل الكلمات إلى طريقة تفكير.
فمن يرى السياسة غابةً، سيبحث عن موقع الصيّاد.
ومن يرى السلطة غنيمةً، سيبحث أولًا عمّن يقتسمها معه.
ومن يرى الخصمَ طريدةً…
فلا يرى في المواطنين إلا قطعانًا تُساق.
لنضع الغنائم جانبًا قليلًا، ولنمسك بالميزان.....
فصاحبُ الميزانية يعرف أكثر من غيره أن الحساب ليس جمعًا وطرحًا فحسب؛ الحساب مسؤولية، والرقم ليس بريئًا دائمًا من اليد التي وضعته في خانته، ولا من القرار الذي بُني عليه.
والأرقام، مهما بدت صامتة، لها لسان.
قد تصمت في الجداول، لكنها تصرخ في الأسواق.
قد تستقيم في الورق، ثم تنكسر في حياة الناس.
وقد يكون الرقم صحيحًا في خانته…
وخاطئًا في حكايته.
وحين نسمع أن الحكومة تخطئ، وأن الاعتراف بالخطأ فضيلة، فلا اعتراض على الاعتراف.
لكن ثَمّة سؤالًا لا ينبغي أن يُترك نائمًا:
إذا كانت الحكومة تخطئ… فهل تخطئ الأرقام أيضًا؟
أم أن الأرقام بريئة، وأن الخطأ يسكن في اليد التي أمسكت بها، والعين التي قرأتها، والعقل الذي فسّرها، والقرار الذي بُني عليها؟
وهنا لا تعود المسألة مسألة أرقامٍ وحساباتٍ وجداول.
لأن الرقم، حين يغادر الورق، لا يعود رقمًا.
يصبح سعرًا في السوق، وضريبةً في الجيب، وفرصةً لا تصل، ودخلًا لا يكفي، وحياةً يضيق هامشها كلما اتّسع هامش الخطأ.
والخطأ، ما دام حبيس الورق، يمكن أن يُمحى…
أما حين يخرج من الورق إلى القرار، ثم ينزل من القرار إلى حياة الناس، فلا يعود محوُه سهلًا؛ لأن المواطن لا يعيش داخل دفاتر الحساب…
بل يعيش داخل نتائجها.
ولهذا لا تكفي عبارة: «أخطأنا».
فالسؤال الحقيقي لا يبدأ عند الاعتراف، بل يبدأ بعده:
في ماذا أخطأتم؟
وكم كلّف الخطأ؟
ومن دفع ثمنه؟
ومن يتحمّل تبعاته؟
فالاعتراف فضيلة، نعم.
لكن المسؤولية ليست أن تُسمّي الخطأ خطأً؛ المسؤولية أن تعرف أين بدأ، ومن دفع ثمنه، وكيف لا يُعاد إنتاجه في الغد باسم رقمٍ جديد.
ثم نعود إلى الغنيمة…
ففي السياسة، كما في الصيد، ليست العبرة بمن حمل البندقية، ولا بمن وصف الفريسة، ولا بمن عدّ الغنائم بعد العودة.
العبرة بمن أحسن الحساب قبل أن يضغط الزناد.
فالصيّاد الذي يخطئ في تقدير المسافة، لا تنقذه خبرته في عدّ الطرائد.
ومن يمسك ميزانية بلد، أولى به أن يعرف أن للكلمات أيضًا كلفة، وأن بعض العبارات قد تكون أثقل من بعض الأرقام.
رويدك، يا صاحبَ الميزانية…
كُنّا نظنّ أن من يُجيدُ اللعبَ بالأرقام،
يُجيدُ وزنَ الكلام…
فلا أرقامُك صدقت،
ولا كلامُك استقام.






