مجتمع وحوداث

قمة الابتزاز والاستفزاز ... كل الإدانة لكل من يورط ويُخَوِّن ويُكَّفِر دون موجب مشروع ... او حين يتحول العنوان من الإخبار إلى الاتهام

مصطفى المنوزي (رئيس أكاديمية الحكامة التشريعية والأمن القضائي)

إن عبارة «المحامون يجرّون البلاد إلى المستنقع الجزائري» لا تصف واقعة ولا تناقش موقفًا؛ بل تُصدر حكمًا جماعيًا خطيرًا، وتستبدل الحجة بالتخويف، والنقاش المهني بالمقارنة الجيوسياسية المشحونة، فمن حق الصحافة أن تنتقد الإضراب، وأن تسائل جدواه ومدته وآثاره في المتقاضين ومرفق العدالة، كما أن من واجب المحامين أنفسهم تقييم وسائلهم وتسقيفها وتحمل مسؤولياتها ، لكن النقد المسؤول يقتضي عرض الوقائع، وسماع مختلف الأطراف، والتمييز بين المؤسسة المهنية وسلوكات أفرادها، وبين الاختلاف مع قانون نافذ والطعن في الدولة أو تحدي المؤسسة الملكية ؛ فالمحامون لا «يجرّون البلاد» إلى مكان ما؛ إنهم يحتجون، عن صواب أو خطأ في الوسيلة والتقدير، على قانون يمس تنظيم مهنتهم وموقع الدفاع داخل منظومة العدالة، ويمكن مناقشتهم ومخالفتهم، لكن لا يجوز تحويل نزاع تشريعي ومهني إلى سردية أمنية تتهم فئة كاملة بتهديد استقرار الوطن.

أما استدعاء «المستنقع الجزائري»، فهو لا يسيء إلى المحامين وحدهم، بل يختزل بلدًا جارًا وشعبًا شقيقًا في صورة قدحية، ويوظف الخوف الإقليمي لإغلاق نقاش وطني كان ينبغي أن يُدار بالحجة والإنصات والمسؤولية.

إن صمام الأمان الحقيقي ليس تخوين المحتجين ولا تقديس القرار العمومي، وإنما قوة المؤسسات، واستقلال القضاء والدفاع، وحرية الصحافة المسؤولة، وفتح قنوات الحوار والتصحيح ؛ لأن الدولة الواثقة لا تخشى الاختلاف، والمهنة المسؤولة لا تعفي نفسها من النقد، والصحافة المهنية لا تحوّل الخصومة إلى إدانة جماعية؛ فليس المطلوب الاصطفاف الأعمى مع المحامين أو ضدهم؛ المطلوب أن نبقى جميعًا داخل دولة القانون: ننتقد الاحتجاج من دون تجريمه، ونناقش التشريع من دون أمننة الخلاف، ونحمي الوطن من خطاب التخوين بقدر ما نحميه من كل ممارسة غير مسؤولة.