سياسة واقتصاد

حوار افتراضي مع «الديمقراطية التمثيلية» (الجزء الثاني)

المصطفى المريزق (فاعل مدني ومؤسس الطريق الرابع)
لكن هناك من يقول إن الديمقراطية التمثيلية أصبحت «سوقًا» انتخابية.


الديمقراطية التمثيلية:


هذا التعبير قاسٍ، لكنه يحمل سؤالًا يستحق النقاش.

عندما تصبح الانتخابات مناسبة لشراء الولاءات، أو تبادل المصالح، أو البحث عن النفوذ، فإن السياسة تفقد جزءًا من معناها.

أنا لا أريد أن أكون سوقًا.

أريد أن أكون فضاءً للتنافس حول المشاريع.

لكنني أحتاج إلى قواعد صارمة.

أحتاج إلى شفافية.

أحتاج إلى مراقبة.

أحتاج إلى تمويل انتخابي واضح.

أحتاج إلى محاسبة.

وأحتاج قبل كل شيء إلى مواطن لا يبيع صوته ولا كرامته.


المريزق:


هل المشكلة إذن في المواطن أيضًا؟


الديمقراطية التمثيلية:


الديمقراطية مسؤولية مشتركة. لا يمكن أن نلوم المواطن وحده. ولا يمكن أن نلوم الحزب وحده. ولا المنتخب وحده.


هناك بنية سياسية كاملة ينبغي أن تُراجع.


المواطن يتأثر بالواقع الاقتصادي والاجتماعي. والحزب يتأثر بقواعد المنافسة. والمنتخب يتحرك داخل مؤسسات محددة. لكن كل واحد يتحمل جزءًا من المسؤولية.


المريزق:


أنت تتحدثين عن أزمة عميقة. فهل يمكن إصلاحك؟


الديمقراطية التمثيلية:


بالتأكيد.


لكن الإصلاح لا يعني تغيير القوانين فقط. أحتاج إلى "تجديد اجتماعي وسياسي وثقافي." أحتاج إلى أحزاب أكثر ديمقراطية من الداخل.

أحتاج إلى نخب جديدة. أحتاج إلى شباب لا يكون مجرد ديكور انتخابي.

أحتاج إلى نساء وشباب وفئات اجتماعية مختلفة داخل مواقع القرار.

أحتاج إلى برلمان أكثر انفتاحًا. أحتاج إلى إعلام مهني.


أحتاج إلى مواطن متعلم سياسيًا. وأحتاج إلى استعمال التكنولوجيا لا لمحاصرة المواطن، بل لفتح المؤسسات أمامه.


المريزق:


إذن أنت لا تخافين من التكنولوجيا؟


الديمقراطية التمثيلية:


لا أخاف منها. أنا أخاف من أن أبقى خارجها.

إذا بقيت المؤسسات السياسية تشتغل بعقلية القرن الماضي بينما يعيش المواطن في القرن الحادي والعشرين، فإن المسافة ستتسع.

لماذا لا تكون هناك منصات رقمية للحوار؟

لماذا لا يستطيع المواطن متابعة تنفيذ البرامج؟

لماذا لا تكون البيانات العمومية أكثر انفتاحًا؟

لماذا لا يصبح تقييم السياسات العمومية أكثر شفافية؟

لماذا لا تستخدم التكنولوجيا لتقوية المشاركة والمساءلة؟

أنا لا أريد أن أكون ديمقراطية ورقية في مجتمع رقمي.


المريزق:


وهل تستطيعين تمثيل الأجيال الجديدة؟


الديمقراطية التمثيلية:


إذا بقيت كما أنا الآن، فسيكون الأمر صعبًا. الأجيال الجديدة لا تنتظر كثيرًا. هي تريد نتائج. وتريد سرعة في الاستجابة. وتريد لغة سياسية مختلفة.

ولا تقبل بسهولة أن يقال لها:

«انتظروا حتى الانتخابات المقبلة».


إنها تريد أن تعرف ماذا يحدث الآن. وهذا يفرض عليّ أن أتحول من "ديمقراطية دورية" إلى ديمقراطية أكثر استمرارية.


المريزق:


ماذا تقصدين بالديمقراطية المستمرة؟


الديمقراطية التمثيلية:


أقصد أن العلاقة بين المواطن والمؤسسات لا ينبغي أن تبدأ يوم الانتخابات وتنتهي يوم إعلان النتائج. ينبغي أن تكون هناك علاقة مستمرة:

انتخاب، تمثيل، حوار، مراقبة، تقييم، مساءلة...

ثم تجديد الثقة أو سحبها سياسيًا في الاستحقاق المقبل.


هكذا تصبح الانتخابات لحظة من لحظات الديمقراطية، وليست الديمقراطية كلها.


المريزق:


وهل يمكن أن تحل الديمقراطية التشاركية مكانك؟


الديمقراطية التمثيلية:


لا.


وهذا سوء فهم خطير. الديمقراطية التشاركية يمكن أن تساعدني. الديمقراطية التداولية يمكن أن تعمقني. المجتمع المدني يمكن أن يراقبني.

الإعلام يمكن أن يحاسبني.


لكن لا يمكن الاستغناء بسهولة عن مؤسسة التمثيل في مجتمع معقد بهذا الحجم.


السؤال ليس: هل نلغي الديمقراطية التمثيلية؟


بل: كيف نجددها؟


المريزق:


إذن أنت ترفضين فكرة إلغائك؟ الديمقراطية التمثيلية:


نعم.


لأن إلغائي دون بناء بديل أكثر ديمقراطية قد يؤدي إلى شيء أخطر.

لكنني أرفض أيضًا أن أستخدم فكرة «لا بديل» ذريعة للبقاء كما أنا.

أنا قابلة للإصلاح. بل أحتاج إلى الإصلاح.


المريزق:


وما الذي تحتاجينه تحديدًا؟


الديمقراطية التمثيلية:


أحتاج إلى إعادة بناء الثقة. أحتاج إلى أن يصبح التمثيل مسؤولية وليس امتيازًا. أحتاج إلى أن تصبح الانتخابات تنافسًا حول البرامج وليس حول الأشخاص فقط.


أحتاج إلى أن تصبح الأحزاب مدارس للأفكار والتكوين السياسي. أحتاج إلى أن يكون البرلمان فضاءً حقيقيًا للنقاش والمراقبة والتشريع.


أحتاج إلى أن يكون المنتخب قابلًا للمساءلة. أحتاج إلى أن تصبح المعلومة حقًا متاحًا للمواطن.


أحتاج إلى أن يصبح الشباب جزءًا من صناعة القرار، لا مجرد جمهور للخطابات. وأحتاج إلى أن أعترف بأن المجتمع تغير.


فلا يمكن أن أظل أشتغل بأدوات قديمة في مجتمع جديد.


المريزق:


لو طلبت منك أن تلخصي أزمتك في جملة واحدة، ماذا تقولين؟


الديمقراطية التمثيلية:


أقول: أزمتي ليست أن المواطنين توقفوا عن الاهتمام بالسياسة؛ أزمتي أن السياسة لم تعد دائمًا قادرة على الوصول إلى المواطنين بالطريقة التي يعيشون بها عالمهم الجديد.


المريزق:


وماذا تقولين للمواطن المغربي الذي يقول: «لا تهمني الانتخابات بقدر ما يهمني مستقبل أبنائي»؟


الديمقراطية التمثيلية:


أقول له: أنت محق.


لكن لا تفصل بين الاثنين تمامًا.


فالمدرسة التي تريدها، والمستشفى الذي تبحث عنه، والعمل الذي يتمناه ابنك، والسكن الذي تحتاج إليه، والمدينة التي تريد أن تعيش فيها، كلها قضايا سياسية.


المشكلة أن السياسة أخطأت عندما جعلت المواطن يعتقد أن السياسة شيء بعيد عن حياته.


السياسة هي حياتك اليومية عندما تصبح مرتبطة بالقرار العمومي.

لذلك لا أطلب منك أن تحب الانتخابات. أطلب منك أن تسأل:

من يقرر؟ كيف يقرر؟ ولصالح من؟ وكيف تتم مراقبته؟


المريزق:


وأخيرًا، سيدتي الديمقراطية التمثيلية، هل لك مستقبل في المغرب؟


صمتت قليلًا.


ثم قالت:


نعم.


لكن ليس إذا بقيت كما أنا.


مستقبلي لن يصنعه الدفاع عن الماضي. سيصنعه الاعتراف بأن المجتمع تغير. سيصنعه جيل جديد من المواطنين. وسيصنعه أيضًا سياسيون يفهمون أن المواطن لم يعد يريد أن يكون مجرد رقم في لائحة انتخابية.


إنه يريد أن يكون شريكًا في صناعة مغرب المستقبل.


ثم ابتسمت وقالت:


لا تسألوا فقط: كم حزبًا لدينا؟ وكم نائبًا لدينا؟ وكم نسبة المشاركة في الانتخابات؟


اسألوا السؤال الأصعب:


هل يشعر المواطن أن صوته يتحول إلى قرار، وأن القرار يتحول إلى نتيجة، وأن النتيجة تتحول إلى حياة أفضل؟


إذا كان الجواب نعم، فسأكون بخير.


وإذا كان الجواب لا، فعليّ أن أراجع نفسي.


غادرت «الديمقراطية التمثيلية».


لكنها تركت وراءها سؤالًا أكبر من الانتخابات:


هل نحن أمام نهاية الديمقراطية التمثيلية، أم أمام نهاية شكل قديم من أشكالها؟


ربما لا يحتاج المغرب إلى إلغاء الديمقراطية التمثيلية. ربما يحتاج إلى إعادة اختراعها.


إعادة اختراع تجعل التمثيل أكثر قربًا من المجتمع، والمشاركة أكثر تأثيرًا، والأحزاب أكثر قدرة على إنتاج الأفكار، والبرلمان أكثر اتصالًا بالمواطن، والانتخابات أكثر ارتباطًا بالبرامج والنتائج.


فالديمقراطية التي لا تستطيع أن تجيب عن أسئلة الحياة اليومية للمواطن تفقد جزءًا من معناها.


أما الديمقراطية التي تستطيع أن تجعل المواطن يرى نفسه في القرار، والقرار في حياته، فقد تستعيد شيئًا من الثقة التي فقدتها.


وربما يكون مستقبل الديمقراطية التمثيلية في المغرب ليس في نهايتها، وإنما في انتقالها من ديمقراطية تمثّل المواطن إلى ديمقراطية تمكّنه من أن يكون حاضرًا، بصورة مستمرة، في صناعة ما يمثله.