سياسة واقتصاد

سبتة لا تسقط من الذاكرة

أحمد الدافري (إعلامي)فيصل مرجاني
إن كلمة أحمد التوفيق، وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، أمام الملك، تحمل في طياتها رمزية بالغة القوة، بل شديدة الدلالة، فيما يتعلق بتشبث المغاربة بثوابتهم الوطنية، وفي مقدمتها سيادتهم على أراضيهم، ورفضهم التنازل عنها مهما طال الزمن أو تعاقبت الأجيال.


إنها نبرة قوية تحمل دلالات تاريخية وسياسية عميقة حول كيفية حفاظ المغاربة، على امتداد قرون طويلة، على أرضهم وذاكرتهم وسيادتهم، وكيف ظل الدفاع عن الوطن بالنسبة إليهم قضية ممتدة في الزمن، لا تسقط بالتقادم ولا تفقد مشروعيتها بمرور الأجيال.


والأكثر دلالة في خطاب السيد الوزير هو استحضاره لـ «دلائل الخيرات»؛ فهذا الاستشهاد لم يكن، في تقديري، مجرد إحالة دينية أو تاريخية بسيطة، وإنما يحمل رمزية عميقة في الذاكرة المغربية، وفي تاريخ التعبئة الروحية والوطنية المرتبطة بالدفاع عن الأرض. فقد ظل هذا الكتاب حاضراً في المخيال المغربي قروناً طويلة، وارتبط لدى المغاربة بمعاني الولاء والتعبئة والاستعداد للدفاع عن الوطن.


وحتى التبوريدة، التي أصبحت اليوم جزءاً أصيلاً من التراث والفلكلور المغربي، لا يمكن فصل جذورها الرمزية عن تلك الذاكرة التاريخية. فالفرسان المغاربة، وهم يمتطون صهوات أحصنتهم، ظلوا يحملون معهم «دلائل الخيرات»، داخل جراب جلدي صغير مُطرَّز، او من الفضة في مشهد تختلط فيه الفروسية بالروحانية، ويجتمع فيه استحضار المقدس مع رمزية الاستعداد للدفاع عن الأرض. ولم يكن حمل هذا الكتاب مجرد طقس شكلي، بل كان يحمل في الذاكرة المغربية معنى عميقاً من معاني الولاء والتعبئة والاستعداد للجهاد والدفاع عن الوطن.


وهكذا، فإن الفارس المغربي حين يمتطي فرسه ويحمل دلائل الخيرات معه، لا يستحضر كتاباً فحسب، وإنما يستحضر ذاكرة تاريخية كاملة تختزل علاقة المغربي بأرضه ووطنه ومسؤوليته في الدفاع عنه. ومن هنا، فإن التبوريدة، رغم تحولها اليوم إلى مظهر من مظاهر التراث والفروسية المغربية، ما زالت تختزن في رموزها وطقوسها أصداء مرحلة تاريخية كان فيها الفارس والجندي، والفرس والسلاح، والروحانية والاستعداد للدفاع، عناصر متداخلة في منظومة واحدة.


إن الرسالة الأعمق في خطاب السيد الوزير هي أن الذاكرة المغربية لا تنسى، والسيادة لا تُقاس بعامل الزمن، والأرض لا تفقد رمزيتها لمجرد أن الأجيال تتعاقب. فما حفظه المغاربة في ذاكرتهم عبر قرون، وما دافعوا عنه جيلاً بعد جيل، يظل حاضراً في الوعي الوطني، وإن تغيرت أدوات الدفاع ووسائل التعبير.


ولهذا فإن استحضار سبتة، وعلمائها، وتاريخها، ثم ربط ذلك بذاكرة التعبئة المغربية ودلائل الخيرات أمام الملك، يحمل حمولة رمزية وسياسية لا يمكن اختزالها في مجرد استحضار تاريخي. إنها إشارة ذات دلالة قوية إلى أن قضايا السيادة الوطنية في الوعي المغربي ليست رهينة بمرور الزمن، ولا قابلة للمحو بالنسيان، ولا تسقط بالتقادم.


إنها، في جوهرها، ذاكرة وطنية ممتدة من الماضي إلى الحاضر؛ ذاكرة تؤكد أن الأجيال قد تتغير، وأن أدوات الدفاع قد تتطور، وأن أشكال التعبير عن الوطنية قد تتبدل، لكن التشبث بالأرض والهوية والسيادة يظل ثابتاً في الوجدان المغربي.


ومن هذه الزاوية تحديداً، تكتسب كلمة أحمد التوفيق أمام  الملك دلالتها الأعمق: فهي لا تستحضر التاريخ من أجل استحضاره، وإنما تستدعيه بوصفه جزءاً من الوعي المغربي بالسيادة، وتعيد وضع قضية الأرض داخل سياق تاريخي طويل يؤكد أن المغرب، في ذاكرته الجماعية، لا يتعامل مع ترابه باعتباره مجرد جغرافيا، وإنما باعتباره امتداداً للهوية والتاريخ والولاء الوطني.