قضايا

نشر قانون المحاماة لا يضع نقطة النهاية لإمكانية تغييره

أمينة ماء العينين (محامية/ قيادية في حزب العدالة والتنمية)

​بعد نشر القانون المنظم لمهنة المحاماة في الجريدة الرسمية، يتوجب في رأيي المتواضع ألا ينظر جموع المحامين والمحاميات إلى الأمر كهزيمة أو انكسار، لأن حامل رسالة الدفاع لا ينكسر، كما أن عزيمته لا تلين.

وإن نظرت الحكومة إلى الأمر كانتصار، فإن ذلك لن يكون غريبا عنها لانعدام النضج الذي عبر عنه الكثير من ممثليها خلال مسار مناقشة القانون قبل الأمر بتنفيذه، وهو المسار الذي كان يمكن أن يكون مختلفا لو توفرت الإرادة السياسية المطلوبة.

إن أكثر من يتسلح بالنفس الطويل هم فرسان العدالة من رجال ونساء الدفاع، حيث يمثلون ويؤازرون المتقاضين في مسارات قضائية طويلة وشاقة في مراحل متعددة يخبرون فيها معنى الحكم لصالحهم ثم ضدهم ثم لصالحهم وهكذا…

ولذلك لا تنتهي المعارك النبيلة في محطة من المحطات، وإنما تستمر من خلال أشكال متعددة من الترافع والنضال المتبصر والقاصد.

إن نشر قانون كيفما كان نوعه لا يضع نقطة النهاية لإمكانية تغييره، كما لا يحصنه ضد التعديل أو حتى الطعن البعدي بعدم الدستورية ما دامت شبهة ذلك تظل قائمة بتعذر بت المحكمة الدستورية في ذلك -حسب وصفها-.

كما أن وظيفة رئيس الحكومة بصفته هذه، وأعضاء البرلمان بصفتهم تلك، ستظل مستمرة للتعديل والتغيير من خلال آليات مشاريع ومقترحات القوانين.

دون أن ننسى إمكانية اجتهاد المحامين حينما يكونون أطرافا في النزاعات أمام المحاكم بمناسبة الاستناد إلى هذا القانون في الحكم، للدفع بعدم دستورية ما يظنون أنه يخرق الدستور من مقتضيات.

لقد دافع المحامون طيلة مسار مناقشة القانون عن شروط المحاكمة العادلة وحقوق الدفاع واستقلالية المهنة وتنظيمها الذاتي وحصانة المحامي أثناء أداء مهامه نيابة عن عموم المواطنات والمواطنين الذين يتحولون إلى متقاضين أو معنيين بالتقاضي، وقد قدموا في سبيل ذلك تضحيات مقدرة، غير أن الحقوق الدستورية للمواطنين ليست معركة المحامين لوحدهم، وعلى كل مؤسسات الدولة تحمل مسؤوليتها القانونية والأخلاقية إزاء ذلك.

كما أن التاريخ سيسجل تلك المؤامرات المعلنة والخفية التي تورطت فيها هذه الجهة أو تلك، وهذا المسؤول أو ذاك، ضد مهنة المحاماة وضد رسالة الدفاع.

أما المحاماة فستظل قوية بمبادئها وحرص المنتسبين إليها على استقلاليتها ومصداقيتها باحترام القانون وقواعد الأخلاق، كما أن مهنة المحاماة ستظل عصية على الإضعاف لو تكاثفت الجهود للدفاع عن رسالتها بنبل ونزاهة فكرية. ذلك أن القانون -كل قانون كيفما كان- لا يصير حيا ومنتجا لأثره إلا بتطبيقه في واقعه الذي لا يرتفع، وتبقى مسؤولية رجال ونساء الدفاع متمثلة في التحلي باليقظة اللازمة لمواكبة تنفيذ القانون وتطبيقه بما لا ينزاح به عن وظيفته الأصلية المتمثلة في تمنيع حق الدفاع وتنظيمه بما يسمح بالمزيد من ترسيخه وتكريسه، لا إضعافه والالتفاف عليه.

إذا عاد المحامون والمحاميات لقاعات المحاكم لممارسة مهامهم وأداء رسالتهم، فسيفعلون ذلك بشموخ ورؤوس مرتفعة، لأنهم رفعوا أصواتهم دفاعا عن المبادئ التي سيتوجب عليهم الاستمرار في الدفاع عنها بعملهم وسلوكهم وتكوينهم وتفانيهم، وبتدبيرهم الديمقراطي والشفاف لمؤسساتهم وشؤون مهنتهم النبيلة.