سياسة واقتصاد

كاستينغ بوليتيك

رشيد صفَـر

يبدو أن الانتخابات المقبلة لا تحتاج فقط الى برامج انتخابية وشعارات ووعود، بل تحتاج قبل كل شيء الى كاستينغ بوليتيك دقيق لاختيار الشخصيات المناسبة للأدوار المناسبة.

فكما يتم اختيار الممثل حسب الشخصية التي سيؤديها داخل فيلم درامي أو كوميدي أو فانتازي، يبدو أن بعض المرشحين يتم اختيارهم حسب صورة يراد تقديمها للناخب، وليس بالضرورة حسب علاقتهم الحقيقية بالناس الذين سيمثلونهم في المجالس، بعيدا عن الدسائس وتحريك العرائس.

خذ مثلا وزيرا لا يتوفر على بطاقة ناخب ولم يسبق له أن زار مكتب التصويت ولا يمارس حقه الانتخابي، ثم يقدم نفسه للناس باعتباره جزءا من عملية سياسية يفترض أن تبدأ من أبسط حق ديمقراطي وهو التسجيل والتصويت والمشاركة.

هنا لا يتعلق الأمر ببطاقة من البلاستيك أو بورقة انتخابية فقط، بل بالسؤال عن العلاقة الفعلية بين السياسي وصندوق الاقتراع.

كيف يمكن إقناع المواطن بأهمية صوته، إذا كان من يفترض أن يمثل صوته لا يمارس هذا الحق أصلا !!؟؟.

ثم نأتي الى نموذج آخر أكثر غرابة .. 

إقطاعي يترشح لتمثيل العاملين في ضيعته، ومن يعيشون تحت نفوذه، بل وربما من يعانون من تسلطه المباشر أو غير المباشر.

أي منطق سياسي يمكن أن يجعل شخصا في موقع قوة يمثل أشخاصا لا يملكون حتى حرية الاعتراض عليه !!؟..

العامل الذي يخاف فقدان عمله، والفلاح الذي يحتاج الى أرض أو ماء أو ترخيص، والمواطن الذي يخشى غضب صاحب النفوذ، هل يستطيع أن يختار بحرية !!؟.. نعم يستطيع لكن قد لا يستطيع.

والأهم من كل ما سلف، هو أنه إذا وصل هذا المرشح أو ذاك الى البرلمان، فهل سيدافع عن حقوق هؤلاء أم سيدافع عن استمرار الوضع الذي جعله قويا !!!؟..

المفارقة أن السياسة يفترض أن تمنح صوتا لمن لا صوت له، لا أن تمنح الصوت لمن يملك أصلا كل أدوات القوة.

وهناك أمثلة أخرى تستحق أن تدخل في هذا الكاستينغ.

رجل أعمال يترشح للدفاع عن الطبقة المتوسطة، بينما لا يعرف من الأسعار إلا ما يظهر في فواتير شركته.

صاحب مصحة خاصة يترشح للدفاع عن الصحة العمومية، ثم يبدأ المواطن في البحث عن المستشفى العمومي الذي يمكن أن يستقبله.

صاحب مدرسة خاصة يترشح للدفاع عن التعليم العمومي، بينما أبناؤه يدرسون في مؤسسات خاصة، لا تعرف الاكتظاظ إلا من نشرات الأخبار.

صاحب عقارات يترشح للدفاع عن السكن، فيجد المواطن نفسه أمام رجل يعرف ثمن المتر المربع، أكثر مما يعرف ثمن كراء غرفة لعائلة محدودة الدخل.

محتكر السوق يترشح للدفاع عن القدرة الشرائية، وكأن الذئب قرر فجأة تأسيس جمعية لحماية الأغنام.

مسؤول سابق فشل في تدبير قطاع معين، ثم يعود ليطلب من المواطنين منحه فرصة جديدة لتدبيره من موقع آخر.

وفي كل هذه الحالات، لا يعني الأمر بالضرورة أن كل رجل أعمال فاسد، أو أن كل طبيب لا يمكنه الدفاع عن الصحة العمومية، أو أن كل صاحب مدرسة خاصة ضد التعليم العمومي.

المشكلة ليست في المهنة وحدها، بل في تضارب المصالح وفي المسافة بين الخطاب الانتخابي والحياة التي يعيشها المرشح نفسه.

فالسياسة ليست مسابقة لاختيار أفضل صورة دعائية.

ليس المطلوب فيها أن نجد شخصا يجيد الوقوف أمام الكاميرا، ويصافح أكبر عدد من الأشخاص، ويعرف كيف يبتسم في الصور، ويحفظ قاموسا كاملا من الكلمات الانتخابية:

التنمية

الحكامة

الشباب

المرأة

التشغيل

العدالة المجالية

حقوق الطفل

عمالنا المهاجرين .. 

إلى غير ذلك من الكلمات الرنانة، وهنا يمكن القول الكلمات حاضرة والفعل غائب أو مايصطلح عليه في اللهجة الدارجة "سيد الهضري"..

السياسة تحتاج الى شيء أبسط وأصعب في الوقت نفسه: أن يكون المرشح قادرا على فهم الناس الذين يريد تمثيلهم، وأن تكون لديه القدرة والاستقلالية والشجاعة للدفاع عن مصالحهم.

لذلك، حان الوقت لكي يتغير الكاستينغ.

بدل أن نسأل : من هو الأكثر نفوذا !!؟..

من هو الأكثر ثراء !!؟..

من يملك أكبر شبكة من العلاقات !!؟..

من يستطيع تنظيم أكبر تجمع !!؟..

علينا أن نسأل :

من يستطيع أن يمثل المواطن من دون أن يكون المواطن خاضعا له !!؟..

ومن يستطيع أن يدافع عن العامل وهو لا يخاف فقدان عمله !!؟..

ومن يستطيع أن يدافع عن الفقير وهو لا ينظر إليه كرقم انتخابي !!؟..

ومن يستطيع أن يدافع عن المواطن أمام الإدارة، لا أن يجعل المواطن يبحث عن واسطة للوصول إليه !!؟..

وختاما التمثيلية السياسية ليست مجرد دور يؤديه المرشح خلال الحملة الانتخابية.

والبرلمان ليس خشبة مسرح.

والمواطن ليس كومبارسا يظهر في الصور ثم يغادر المشهد.

قبل أن يبدأ الكاستينغ بوليتيك الحقيقي، ينبغي أن نسأل كل مرشح سؤالا بسيطا جدا :

«إلى من ستنحاز عندما تتعارض مصلحتك الشخصية مع مصلحة الناس الذين انتخبوك !!؟»..

والجواب عن هذا السؤال، أهم من صورة الحملة وشعارها، لأنه سيكشف لنا فعلا من يستحق الدور ومن يبحث فقط عن الدور.