ما أقسى أن نرى، في زمن يتحدث فيه العالم عن الحداثة والديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية، مشاهد تُعيد إلى الأذهان صوراً من عصور سحيقة كان فيها الإنسان يُذل أمام صاحب الجاه والنفوذ!هذه الصورة ليست مجرد لقطة عابرة؛ إنها، بما تحمله من دلالات، سؤال صادم عن كرامة المواطن: كيف يمكن أن نقبل أن يتحول الإنسان إلى تابعٍ يُستعرض خضوعه أمام شخص آخر، وكأننا لم نغادر بعد عصور العبودية والتراتبية الاجتماعية المهينة؟ أي رسالة نبعث بها إلى الأجيال الصاعدة عندما يرون مثل هذه المشاهد، بينما هم يعيشون في عصر الذكاء الاصطناعي، والطب المتقدم، والعلوم الفيزيائية والإلكترونية، وثورة التكنولوجيا والاتصال؟كيف نقنعهم بأننا نبني دولةالحق والقانون، إذا كانت بعض مظاهر الإذلال الاجتماعي والسياسي ما تزال تجد طريقها إلى المشهد العام؟ كرامة الإنسان ليست امتيازاً يمنحه مسؤول أو وجيه، وليست مِنّةً من أحد؛ إنها حق أصيل لا يجوز المساس به. وإذا كان القانون يجرّم بعض أشكال الاستغلال والإكراه والإهانة، فالسؤال المشروع هو: أين تبدأ مسؤولية الدولة في حماية كرامة المواطن عندما تتحول مظاهر الخضوع والإذلال إلى ممارسة علنية يُحتفى بها؟ وهل نحتاج إلى أن ننتظر حتى تتحول هذه المظاهر إلى اعتداء صريح حتى يتحرك القانون؟ لا أحد فوق القانون، ولا أحد أكبر من كرامة الإنسان. إن بناء الديمقراطية لا يكون فقط بصناديق الاقتراع، ولا بكثرة الشعارات والخطب؛ بل يبدأ من إنسان حر، مرفوع الرأس، لا يضطر إلى الانحناء أمام النفوذ والمال والسلطة حتى يحصل على حقه. أما المشاهد التي تُعيد إنتاج ثقافة السيد والتابع، فهي ليست من الحداثة في شيء، بل انتكاسة في الوعي والكرامة الإنسانية. فهل نحن فعلاً أمام مجتمع يتقدم نحو المستقبل… أم أننا ما زلنا نحمل معنا بعضاً من أثقال الماضي، ونحاول فقط تغليفها بشعارات العصر؟






