الهجرة غير النظامية بين مطرقة الفشل المحلي وسندان اليمين الأوروبي — مقاربة من منظور «الطريق الرابع»
ليست الهجرة غير النظامية مجرد مغامرة محفوفة بالموت، ولا قراراً فردياً تحكمه الرغبة في تحسين الدخل. إنها، في كثير من الحالات، التعبير الأكثر قسوة عن أزمة الثقة في المستقبل. فعندما يعجز الشاب عن العثور على مكان له داخل مجتمعه، يصبح البحر، رغم مخاطره، أقل رعباً من البقاء في واقع يشعر فيه بأنه بلا أفق.
من هنا يمكن قراءة «الحريك» باعتباره ظاهرة اجتماعية وسياسية قبل أن يكون مشكلة أمنية. فالأرقام المتعلقة بإحباط محاولات الهجرة وتفكيك شبكات التهريب تكشف حجم الظاهرة، لكنها لا تفسر دوافعها العميقة. لأن السؤال الأهم ليس: كيف نمنع الشباب من عبور الحدود؟ بل: لماذا أصبح عبور الحدود، بالنسبة إلى بعضهم، أكثر قابلية للتخيل من بناء مستقبل داخل الوطن؟
هذه المفارقة تضع السياسات العمومية أمام اختبار حقيقي. فالشعارات المرتبطة بالتنمية والحماية الاجتماعية تفقد معناها عندما لا تتحول إلى فرص فعلية في التعليم والعمل والسكن والعدالة الاجتماعية. وحين تتسع الفجوة بين طموحات الشباب وما يتيحه الواقع، تتحول «فوبيا الفشل» من خوف فردي إلى حالة اجتماعية جماعية، يصبح فيها المستقبل نفسه مصدراً للقلق.
لكن اختزال الظاهرة في مسؤولية الدول المصدّرة للهجرة وحدها سيكون قراءة ناقصة. فالضفة الأخرى ليست بالضرورة فضاءً للخلاص. المهاجر الذي يهرب من التهميش الاقتصادي والاجتماعي قد يجد نفسه أمام أشكال جديدة من الهشاشة: سوق عمل غير مستقر، وضع قانوني هش، وصم اجتماعي، وخطابات سياسية تجعله مسؤولاً عن أزمات لا علاقة له بصناعتها.
وهنا تبرز مفارقة أساسية: قد ينتقل المهاجر من الهامش في بلده إلى الهامش في بلد الاستقبال، دون أن يتغير جوهر موقعه الاجتماعي.
«الطريق الرابع»: تجاوز ثنائية الحدود المفتوحة والحدود المغلقة
من هذه الزاوية، تقترح مقاربة «الطريق الرابع» الخروج من الثنائية التي حكمت النقاش التقليدي حول الهجرة: إما القبول غير المشروط، أو الرد الأمني الصارم. فالهجرة ليست أزمة حدود فقط، كما أنها ليست حقاً منفصلاً عن شروط التنمية والعدالة الدولية.
يقوم هذا المنظور على إعادة بناء السؤال من جذوره: كيف يمكن تقليص دوافع الهجرة القسرية وغير النظامية دون تحويل الإنسان إلى متهم لمجرد رغبته في البحث عن حياة أفضل؟
أولاً: تفكيك المركزية الأوروبية وإعادة توزيع المسؤولية
لا يمكن فهم تدفقات الهجرة بمعزل عن اختلالات النظام الاقتصادي العالمي. فالفوارق الكبيرة في توزيع الثروة والفرص، وآثار التاريخ الاستعماري، واختلال المبادلات التجارية، وتداعيات الأزمات البيئية والمناخية، كلها عوامل تسهم في إنتاج بيئات طاردة للسكان.
وهذا لا يعفي الفاعلين الحكوميين والسياسيين من مسؤوليتهم. فالفساد والريع وسوء الحكامة وضعف المؤسسات وتبديد الموارد عوامل داخلية تساهم بدورها في إنتاج الإحباط. لكن تحميل الجنوب وحده مسؤولية الظاهرة يختزل أزمة مركبة في فشل محلي.
لذلك، لا يكفي أن تُموَّل برامج مراقبة الحدود؛ المطلوب هو تحويل التعاون الدولي من إدارة لتدفقات المهاجرين إلى استثمار في أسباب الاستقرار والتنمية، خصوصاً في التعليم و التشغيل والبنيات التحتية والاقتصاد المنتج.
ثانياً: من أمن الحدود إلى عدالة الفرص
لا يمكن للسياسات الأمنية، مهما بلغت فعاليتها، أن تلغي الرغبة في الهجرة إذا ظلت الأسباب التي تدفع إليها قائمة.
فالحدود قد تمنع العبور، لكنها لا تستطيع أن تمنح شاباً وظيفة، أو تعيد إليه الثقة في مؤسسات بلده، أو تقنعه بأن الكفاءة والاجتهاد قادران فعلاً على تغيير مصيره.
من هنا، تضع مقاربة «الطريق الرابع» العدالة المجالية في قلب سياسة الهجرة: محاربة الريع والفساد، توسيع قاعدة الولوج إلى التعليم والعمل، دعم المبادرة الاقتصادية، وتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية. فالدولة التي توفر لمواطنيها أسباب الاستقرار لا تحتاج إلى تحويل حدودها إلى حصون.
ثالثاً: تنظيم التنقل بدل تركه لشبكات التهريب
إذا كان التنقل البشري جزءاً من التارخ ومن الواقع الاقتصادي والاجتماعي للعالم، فإن التعامل معه باعتباره استثناءً أمنياً لن يؤدي إلا إلى توسيع السوق غير النظامية.
لذلك، يطرح «الطريق الرابع» الانتقال من منطق المنع إلى إدارة عادلة ومنظمة للتنقل: مسارات قانونية للهجرة، برامج للهجرة الدائرية، اعتراف أفضل بالكفاءات، وتعاون بين دول المنشأ والاستقبال يربط حاجات سوق العمل بحقوق المهاجرين.
فحين تغيب القنوات القانونية، تتقدم شبكات التهريب. وحين يصبح المهاجر بلا وضع قانوني، يصبح أكثر عرضة للاستغلال. وحين تتحول الهجرة غير النظامية إلى أزمة سياسية، يصبح المهاجر مادة سهلة للخطابات الشعبوية والعنصرية.
بومان وصياد: من «النفايات البشرية» إلى «الغياب المزدوج»
يمنح التحليل السوسيولوجي للظاهرة بعداً يتجاوز الاقتصاد والأمن. ففي أعمال زيغمونت بومان، يظهر مفهوم «النفايات البشرية» بوصفه تعبيراً عن فئات تنتجها الحداثة الاقتصادية حين يصبح بعض البشر فائضاً عن حاجات سوق العمل والمؤسسات. وبالمعنى السوسيولوجي، يمكن النظر إلى بعض الشباب المهمشين باعتبارهم يعيشون تجربة فقدان المكان والاعتراف والقدرة على تصور مستقبل ممكن.
في هذه الحالة، لا يصبح البحر مجرد طريق جغرافي نحو أوروبا؛ بل يتحول إلى مخرج رمزي من وضع اجتماعي مسدود. والمخاطرة لا تعني بالضرورة أن الموت مرغوب، بقدر ما تكشف عن مدى انهيار قيمة البقاء داخل شروط اجتماعية يشعر فيها الفرد بأنه فقد السيطرة على مصيره.
لكن الرحيل لا ينهي الاغتراب بالضرورة.
وهنا تكتسب أطروحة عبد المالك صياد حول «الغياب المزدوج» قوتها التفسيرية. فالمهاجر يعيش غياباً عن وطنه، لكنه لا يتحول تلقائياً إلى مواطن كامل الحضور في مجتمع الاستقبال. إنه يوجد جسدياً في المكان الجديد، بينما قد يظل اجتماعياً وثقافياً واقتصادياً على هامشه.
ويزداد هذا الوضع تعقيداً حين تتحول الهجرة إلى مادة في الصراع السياسي الأوروبي. فالمهاجر قد يجد نفسه محمّلاً بمسؤولية أزمات اقتصادية وأمنية وثقافية أوسع منه. وهنا يعمل «الوصم»، بالمعنى الذي طوره إرفينغ غوفمان، على اختزال الفرد في صفة واحدة: «المهاجر»، بما تحمله هذه الصفة من أحكام مسبقة، لتصبح هويته نفسها موضع اشتباه.
الخلاصة: لا يمكن معالجة الهجرة ببناء حدود أعلى
تكشف ظاهرة «الحريك» في النهاية عن أزمة أعمق من حركة أشخاص عبر الحدود. إنها أزمة علاقة بين المواطن والمستقبل، وبين الدولة وشبابها، وبين الشمال والجنوب، وبين الأمن والعدالة.
فالسياسة التي تكتفي بمنع العبور قد تنجح في ضبط الحدود، لكنها لا تعالج الأسباب التي تجعل العبور مرغوباً. والسياسة التي تترك المهاجرين بلا قنوات قانونية لا تلغي الهجرة، بل تدفعها إلى السوق السوداء وتمنح شبكات التهريب مزيداً من القوة.
من هنا، لايقدم «الطريق الرابع» وصفة سحرية، بقدر ما هو مساهمة في النقاش العمومي، يقترح تغيير زاوية النظر: من مهاجر يجب منعه إلى إنسان يجب فهم دوافعه؛ ومن حدود يجب تحصينها إلى مجتمعات يجب جعلها أكثر عدالة؛ ومن أزمة أمنية عابرة للحدود إلى اختلال تنموي واجتماعي وسياسي يحتاج إلى معالجة مشتركة.
فالهدف ليس أن نمنع الشاب من الحلم بالضفة الأخرى، بل أن نجعل له في بيته وفي وقريته ومدينته ووطنه سبباً حقيقياً للبقاء. وعندما تصبح الكرامة والفرصة والاعتراف الاجتماعي متاحة داخل الوطن، يفقد «الحريك» جزءاً كبيراً من جاذبيته. أما حين يصبح الموت في البحر أقل رعباً من مستقبل بلا أفق، فإن المشكلة لم تعد في الشباب الذين يحاولون الرحيل، بل في المجتمع الذي لم يعد قادراً على إقناعهم بأن المستقبل يمكن أن يُبنى هنا.






