نشرت وسائل الأعلام البلجيكية خبرا حول تعيين مصطفى بودشيش ممثلاً لحكومة إقليم بروكسل في العاصمة المغربية الرباط، وهو ما يقود للحديث عن الحضور المغربي في عاصمة الاتحاد الأوروبي.
فعندما اختار الكاتب والشاعر المغربي المقيم في بلجيكا طه عدنان عنوان «Bruxelles , la marocaine» (بروكسل المغربية) لكتابه الصادر باللغة الفرنسية، لم يكن يقصد أن يمنح العاصمة البلجيكية هوية جديدة، ولا أن يختزلها في بعدها المغربي. فالكتاب، في جوهره، عمل أدبي وثقافي يوثق حضور عشرات الأدباء والكتاب والفنانين والمثقفين المغاربة الذين مروا ببروكسل أو أقاموا فيها وأسهموا في إثراء المشهد الثقافي البلجيكي. غير أن هذا العنوان يحمل، في الوقت نفسه، دلالة أوسع تتجاوز الأدب، ليعكس واقعاً اجتماعياً وسياسياً وثقافياً أصبح جزءاً من شخصية العاصمة البلجيكية خلال العقود الأخيرة.
فمن يتجول اليوم في عدد من بلديات بروكسل، مثل مولنبيك، وسكاربيك، وسان جوس، وأندرلخت، يلاحظ بسهولة أن الحضور المغربي لم يعد مجرد وجود لجالية مهاجرة، بل أصبح عنصراً أصيلاً في الحياة اليومية. تظهر ملامحه في الأسواق الشعبية، والمطاعم، والمخابز، والمقاهي، والمحلات التجارية، والجمعيات الثقافية، والمساجد، كما ينعكس في اللغة المتداولة في الشارع، وفي تفاصيل الحياة الاجتماعية التي أصبحت جزءاً من المشهد الحضري للعاصمة.
ويتجلى هذا الحضور بصورة خاصة خلال شهر رمضان، إذ تتغير وتيرة الحياة في عدد من الأحياء ذات الكثافة المغربية، فتغلق مطاعم ومقاهٍ كثيرة أبوابها خلال ساعات النهار، بينما تنشط الحركة التجارية والاجتماعية بعد الإفطار حتى ساعات متأخرة من الليل. ولا يعكس هذا المشهد انعزالاً ثقافياً، بل يعبر عن تفاعل مجتمع متعدد الثقافات استطاع أن يستوعب مكونات مختلفة دون أن يفقد هويته الأوروبية.
غير أن قصة الحضور المغربي في بلجيكا لا تبدأ من الأسواق أو المطاعم، بل تعود إلى أكثر من ستة عقود، حين وقعت بلجيكا والمغرب عام 1964 اتفاقية لاستقدام اليد العاملة المغربية لتلبية احتياجات الصناعة والمناجم البلجيكية في مرحلة إعادة الإعمار والنمو الاقتصادي. وكانت الهجرة في بدايتها مؤقتة، إذ كان يُنظر إلى العمال المغاربة باعتبارهم قوة عمل ستعود إلى وطنها بعد سنوات قليلة.
لكن الواقع سار في اتجاه مختلف. فقد تبعت مرحلة الهجرة العمالية سياسة لمّ الشمل، ثم استقرت العائلات، ودخل الأبناء المدارس والجامعات، وحصلت أعداد متزايدة على الجنسية البلجيكية، لتتحول الجالية المغربية تدريجياً من جالية مهاجرة إلى مكون دائم من مكونات المجتمع البلجيكي.
ويُقدَّر عدد البلجيكيين من أصل مغربي اليوم بما بين 500 و600 ألف نسمة، ما يجعلهم أكبر جالية من أصول غير أوروبية في المملكة البلجيكية، بنسبة تقارب 4 إلى 5 في المائة من مجموع السكان. ويتمركز القسم الأكبر منهم في العاصمة بروكسل، إلى جانب مدن مثل أنتويرب، ولييج، وشارلروا، وغنت، وهو ما منحهم حضوراً اجتماعياً واقتصادياً واضحاً، ثم تحول مع مرور الزمن إلى حضور سياسي ومؤسساتي متزايد.
وقد واكب هذا التحول تغيرٌ في طبيعة العلاقة بين الجالية ووطنها الأصلي. فبينما اندمج أبناء الجيلين الثاني والثالث في المجتمع البلجيكي، وولد معظمهم ونشأوا وتعلموا في بلجيكا، حافظ كثير منهم على روابط وثيقة بالمغرب، سواء من خلال العائلة أو اللغة أو الثقافة أو الزيارات السنوية. ويظهر ذلك بوضوح خلال العطلة الصيفية، حين تتجه عشرات الآلاف من العائلات من أصول مغربية إلى المغرب عبر الطائرات أو العبارات أو السيارات، في مشهد سنوي أصبح جزءاً من العلاقة الإنسانية المتواصلة بين البلدين.
وهذا الواقع يجعل من الصعب النظر إلى الجالية المغربية باعتبارها مجرد امتداد للمغرب أو مجرد أقلية داخل بلجيكا. فهي اليوم جزء لا يتجزأ من المجتمع البلجيكي، يشارك أفراده في مختلف القطاعات، ويشغلون مواقع في الإدارة والجامعات والقطاع الخاص والإعلام والثقافة، إلى جانب حضورهم المتزايد في المؤسسات السياسية.
ومن هنا، فإن تعبير «بروكسل المغربية» يكتسب معنى يتجاوز الوصف الأدبي. فهو لا يعني أن العاصمة البلجيكية أصبحت مدينة مغربية، ولا أنه يشير إلى أغلبية سكانية، وإنما يعكس حقيقة أن الثقافة المغربية أصبحت إحدى المكونات التي أسهمت في تشكيل الهوية الاجتماعية المعاصرة لبروكسل، تماماً كما أسهمت فيها مكونات أوروبية وأجنبية أخرى. وهو أيضاً عنوان يختصر قصة انتقال جالية جاءت في البداية لتلبية احتياجات سوق العمل، ثم أصبحت مع مرور الزمن شريكاً كاملاً في بناء المجتمع البلجيكي.
ولم يعد هذا الحضور يقتصر على المجال الاجتماعي والثقافي، بل امتد بصورة متزايدة إلى مؤسسات الحكم والإدارة والاقتصاد، حتى أصبح أبناء الجالية المغربية من بين أبرز الفاعلين في الحياة السياسية البلجيكية، وهو ما يفسر جانباً مهماً من الخلفية التي جاء في سياقها قرار حكومة إقليم بروكسل تعيين مصطفى بودشيش ممثلاً لها في العاصمة المغربية الرباط، وهو القرار الذي يفتح الباب لفهم أعمق للتحولات التي شهدتها العلاقة بين المغرب وبلجيكا خلال العقود الأخيرة.
كيف أصبحت الجالية المغربية جسراً بين الرباط والعاصمة الأوروبية؟
لم يقتصر تطور الجالية المغربية في بلجيكا على الاندماج الاجتماعي أو تحقيق النجاح الاقتصادي، بل امتد تدريجياً إلى المشاركة في إدارة الشأن العام، حتى أصبحت الجالية إحدى أكثر الجاليات حضوراً في المؤسسات المنتخبة على مستوى أوروبا.
فإذا كان الجيل الأول قد ارتبط بصورة العامل الذي جاء إلى المصانع والمناجم في ستينيات القرن الماضي، فإن أبناء الجيلين الثاني والثالث دخلوا الجامعات البلجيكية، وتخرجوا في كليات الحقوق والعلوم السياسية والاقتصاد والطب والهندسة، ثم انخرطوا في الأحزاب السياسية، والإدارة العامة، والقضاء، والإعلام، والنقابات، والجامعات، قبل أن يصل عدد متزايد منهم إلى مواقع صنع القرار.
واليوم، تضم الحكومات الإقليمية والبرلمانات الفيدرالية والبلديات البلجيكية عدداً كبيراً من الوزراء والنواب ورؤساء البلديات من أصول مغربية، وهو تطور يعكس التحول العميق الذي عرفه المجتمع البلجيكي خلال العقود الستة الماضية.
ومن أبرز هذه الشخصيات أحمد الأعوج أحد أهم قادة الحزب الاشتراكي الفرنكوفوني في العاصمة البلجيكية. ويتولى الأعوج حالياً حقيبة العمل الاجتماعي والتضامن في حكومة إقليم بروكسل، كما يرأس الحزب الاشتراكي في العاصمة، ويشغل أيضاً منصب عمدة بلدية كوكيلبيرغ. ويُنظر إليه باعتباره من أكثر الشخصيات تأثيراً داخل الحزب الاشتراكي البلجيكي، ولا سيما في بروكسل.
كما برزت شخصيات أخرى من أصول مغربية، من بينها رشيد مدران الذي تولى عدة حقائب وزارية قبل أن يصبح رئيساً لبرلمان إقليم بروكسل، وفؤاد أحيدار الذي يُعد من أبرز الوجوه السياسية في البرلمان الفلمنكي، إضافة إلى عشرات النواب والمستشارين المحليين الذين يمثلون مختلف الأحزاب البلجيكية.
ولا يقتصر هذا الحضور على حزب سياسي واحد، إذ تحرص معظم الأحزاب البلجيكية الكبرى، سواء الحزب الاشتراكي (PS)، أو الحركة الإصلاحية (MR)، أو حزب الخضر (Ecolo)، أو حزب Les Engagés، على ترشيح شخصيات من أصول مغربية في الانتخابات البلدية والإقليمية والفيدرالية، إدراكاً منها للثقل الانتخابي الذي تمثله هذه الفئة داخل المجتمع البلجيكي، وخاصة في العاصمة بروكسل.
مولنبيك… أكثر من صورة إعلامية
يصعب الحديث عن الحضور المغربي في بلجيكا دون التوقف عند بلدية مولنبيك سان جان، التي أصبحت، خلال العقود الأخيرة، رمزاً للتحول الديمغرافي والسياسي في العاصمة.
فعلى الرغم من أن اسم مولنبيك ارتبط في الإعلام الدولي بعد اعتداءات باريس عام 2015، بسبب إقامة بعض منفذيها في البلدية، فإن اختزالها في هذا الجانب لا يعكس واقعها الحقيقي.
فمولنبيك تضم اليوم واحدة من أكثر البيئات الاقتصادية والاجتماعية حيوية في بروكسل، وتحتضن عشرات الشركات والمتاجر والجمعيات، كما أصبحت خزّاناً انتخابياً مهماً تتنافس فيه الأحزاب البلجيكية المختلفة، وتعاقب على إدارتها مسؤولون منتخبون من خلفيات متنوعة، بينهم عدد من السياسيين المنحدرين من أصول مغربية.
وينطبق الأمر بدرجات متفاوتة على بلديات أخرى مثل سكاربيك وسان جوس وأندرلخت، حيث يشكل المواطنون من أصول مغربية جزءاً مهماً من النسيج السكاني، ومن الحياة الاقتصادية والثقافية والسياسية.
خصوصية النموذج البلجيكي
ويرتبط هذا التطور أيضاً بطبيعة النموذج البلجيكي في إدارة التعددية.
فبلجيكا، بخلاف النموذج الفرنسي الذي يقوم تاريخياً على فكرة الاندماج الجمهوري ضمن هوية وطنية موحدة، اعتمدت منذ عقود مقاربة أكثر مرونة تقوم على الاعتراف بالتنوع الثقافي واللغوي، وإتاحة مساحة أوسع للتعبير عن الهويات المختلفة ضمن إطار المواطنة.
ولا يعني ذلك غياب سياسات الاندماج، بل يعني أن الدولة البلجيكية لم تشترط التخلي عن الخصوصيات الثقافية أو اللغوية من أجل المشاركة الكاملة في الحياة العامة. وقد سمح هذا النموذج للجاليات المختلفة، ومن بينها الجالية المغربية، بالحفاظ على جزء من خصوصيتها الثقافية والدينية، مع المشاركة الكاملة في المؤسسات السياسية والإدارية.
ويفسر ذلك كيف استطاعت أحياء مثل مولنبيك أو سكاربيك أن تحتفظ بطابعها الثقافي المغربي، في الوقت الذي أصبح فيه أبناؤها يشغلون مواقع متقدمة في الإدارات والجامعات والبرلمانات والوزارات.
من جالية إلى شريك في صنع القرار
لقد تحول الوجود المغربي في بلجيكا من مجرد حضور ديمغرافي إلى قوة اجتماعية واقتصادية وسياسية يصعب تجاهلها.
فالآلاف من أبناء الجالية يديرون شركات في مجالات التجارة، والبناء، والنقل، والخدمات، والمطاعم، والاستيراد والتصدير، كما ساهموا في إنشاء عشرات الجمعيات الثقافية والاجتماعية، وأصبحوا جزءاً من المشهد الإعلامي والثقافي والرياضي.
وفي الوقت نفسه، دخلت أجيال جديدة إلى الإدارة العامة، والشرطة، والجامعات، والسلك القضائي، والمؤسسات المنتخبة، وهو ما جعل المشاركة السياسية امتداداً طبيعياً لمسار طويل من الاندماج والنجاح الاجتماعي.
ومع هذا التطور، لم يعد أبناء الجالية يُنظر إليهم باعتبارهم ممثلين للمغرب داخل المؤسسات البلجيكية، بل باعتبارهم مسؤولين بلجيكيين منتخبين أو معينين، يمارسون مهامهم وفق الدستور البلجيكي، ويخضعون لبرامج أحزابهم وللقانون البلجيكي.
غير أن معرفتهم العميقة بالمغرب، وإتقان كثير منهم للعربية والفرنسية، واحتفاظهم بروابط ثقافية وعائلية مع بلدهم الأصلي، جعلهم في كثير من الأحيان جسراً طبيعياً بين الرباط وبروكسل، وهو ما انعكس بصورة متزايدة على العلاقات الثنائية في مجالات الاقتصاد والثقافة والتعليم والتعاون المؤسسي.
وفي هذا الإطار، لا يمكن فهم قرار حكومة إقليم بروكسل تعيين مصطفى بودشيش ممثلاً لها في الرباط باعتباره مجرد تعيين إداري، بل باعتباره أيضاً مؤشراً على مرحلة جديدة من العلاقات التي أصبحت تقوم على معرفة متبادلة أعمق، وعلى وجود كفاءات بلجيكية من أصول مغربية قادرة على التحرك بكفاءة داخل البيئتين معاً.
دولة فيدرالية بصلاحيات واسعة
لفهم دلالات هذا القرار، لا بد أولاً من فهم طبيعة النظام السياسي البلجيكي، الذي يعد من أكثر النماذج الفيدرالية تطوراً في أوروبا.
فبلجيكا ليست دولة مركزية، بل تتوزع فيها السلطات بين الحكومة الفيدرالية وثلاثة أقاليم هي: إقليم بروكسل العاصمة، وإقليم فلاندر، وإقليم والونيا، إضافة إلى ثلاث جماعات لغوية تتمتع بدورها بصلاحيات واسعة.
وقد جاءت هذه البنية نتيجة سلسلة من الإصلاحات الدستورية التي بدأت منذ سبعينيات القرن الماضي، وهدفت إلى إدارة التنوع اللغوي والثقافي داخل المملكة، ومنح الأقاليم صلاحيات واسعة في مجالات الاقتصاد، والتجارة الخارجية، والاستثمار، والثقافة، والتعليم، والبحث العلمي، والابتكار، وبعض أوجه التعاون الدولي.
ولذلك، فإن الأقاليم البلجيكية لا تكتفي بإدارة شؤونها الداخلية، بل تمتلك أيضاً شبكات تمثيل خارجية خاصة بها، تتولى الدفاع عن مصالحها الاقتصادية والمؤسساتية في الخارج.
وتقوم إدارة Brussels International، منذ تأسيسها عام 1989، بتنسيق العلاقات الدولية لإقليم بروكسل، بينما تعتمد فلاندر على وكالة Flanders Investment & Trade (FIT)، وتعتمد والونيا على وكالة AWEX، وكلها تمتلك شبكات واسعة من المكاتب والملحقين الاقتصاديين في مختلف أنحاء العالم.
وهنا تكمن خصوصية التجربة البلجيكية، إذ يعمل هذا التمثيل الخارجي بالتوازي مع السفارات البلجيكية، وليس بديلاً عنها.
تكامل لا ازدواجية
قد يثير وجود ممثلين للأقاليم في الخارج تساؤلاً حول علاقتهم بالسفارات البلجيكية، لكن الواقع أن الاختصاصات موزعة بصورة واضحة.
فالسفارات تمثل مملكة بلجيكا بوصفها دولة ذات سيادة، وتتولى إدارة العلاقات السياسية، والشؤون القنصلية، والدفاع، والأمن، والسياسة الخارجية العامة.
أما مكاتب الأقاليم، فتركز على ملفات الاقتصاد، والاستثمار، والتجارة، والابتكار، والتعليم، والثقافة، والتعاون العلمي، والعلاقات مع الحكومات المحلية والقطاع الخاص.
وفي كثير من الدول، تعمل هذه المكاتب من داخل السفارة البلجيكية أو بالتنسيق الوثيق معها، في نموذج يعكس فلسفة النظام الفيدرالي البلجيكي القائم على تقاسم الاختصاصات، بحيث تتكامل الأدوار ولا تتداخل.
إعادة هيكلة شبكة بروكسل الدولية
جاء تعيين مصطفى بودشيش في إطار مراجعة شاملة لشبكة التمثيل الخارجي لإقليم بروكسل.
فقد قررت حكومة الإقليم إعادة تنظيم مكاتبها الخارجية بهدف ترشيد النفقات وزيادة الفاعلية. وتشمل الخطة إغلاق 14 مكتباً من أصل 33 مكتباً كانت منتشرة حول العالم، مع الإبقاء على 19 مكتباً فقط، يتم اختيارها وفق معايير اقتصادية واستراتيجية.
وكان من الممكن أن يشمل التقليص مكتب الرباط، غير أن الحكومة اتخذت قراراً معاكساً، إذ لم تكتف بالإبقاء عليه، بل قررت تعزيز حضوره ومنحه دوراً أكبر في المرحلة المقبلة.
وتشير هذه الخطوة إلى أن المغرب لا يُنظر إليه باعتباره مجرد شريك اقتصادي عادي، بل باعتباره أحد أهم الشركاء الاستراتيجيين لإقليم بروكسل خارج الاتحاد الأوروبي.
لماذا الرباط؟
لا يرتبط القرار بالعلاقات السياسية فقط، بل بمجموعة من الاعتبارات الاقتصادية والاجتماعية.
فالمغرب يشكل سوقاً مهمة للشركات البلجيكية، كما يمثل بوابة نحو شمال أفريقيا وغربها، فضلاً عن وجود جالية مغربية كبيرة في بروكسل، ساهمت خلال العقود الماضية في نسج شبكة واسعة من العلاقات الاقتصادية والإنسانية بين الجانبين.
ولهذا، أوكلت الحكومة البلجيكية إلى ممثلها الجديد في الرباط مهمة إعداد خطة عمل متعددة السنوات تهدف إلى:
⁃ تعزيز العلاقات الاقتصادية بين بروكسل والمغرب.
⁃ دعم الشركات والمؤسسات القادمة من بروكسل والراغبة في العمل داخل السوق المغربية.
⁃ جذب الاستثمارات المغربية إلى العاصمة البلجيكية.
⁃ توسيع التعاون المؤسسي والاقتصادي.
⁃ الإعداد للبعثة الاقتصادية البلجيكية المقررة إلى المغرب عام 2027.
كما اشترطت الحكومة أن تتضمن هذه الخطة أهدافاً واضحة وقابلة للقياس، مع تقييم دوري لنتائجها، في مؤشر على الطابع الاقتصادي العملي الذي بات يميز عمل المكاتب الخارجية للأقاليم البلجيكية.
تعيين استثنائي
لكن قرار التعيين أثار أيضاً نقاشاً داخل بروكسل.
ففي العادة، تتولى مؤسسة hub.brussels، المسؤولة عن الشبكة الاقتصادية الدولية للإقليم، اختيار ممثليها عبر مسابقات وإجراءات مهنية مفتوحة.
أما في هذه الحالة، فقد تدخلت الحكومة مباشرة في اختيار مصطفى بودشيش، معتبرة أن المنصب يتطلب علاقة ثقة مباشرة مع السلطة التنفيذية، بالنظر إلى طبيعته السياسية والاستراتيجية.
وقد أثار هذا الإجراء انتقادات من بعض المسؤولين السابقين في hub.brussels، الذين رأوا أن الحكومة تجاوزت الآليات الإدارية المعتادة، خاصة في وقت تطبق فيه سياسة تقشف وإغلاق عدد من المكاتب الخارجية.
من هو مصطفى بودشيش؟
يشغل مصطفى بودشيش منصب مدير ديوان الوزير أحمد الأعوج، أحد أبرز قادة الحزب الاشتراكي في بروكسل.
وجاء اختياره استناداً إلى خبرته في الملفات الاقتصادية والإدارية، ومعرفته بالمؤسسات البلجيكية، وإلمامه بالمغرب وبنيته السياسية والاقتصادية، إضافة إلى قدرته على العمل في بيئة تجمع بين البعدين الاقتصادي والدبلوماسي.
ولا يمكن فصل هذا التعيين عن التطور الذي شهدته النخبة البلجيكية من أصول مغربية خلال العقود الأخيرة، إذ أصبح عدد متزايد من أبنائها يشغل مواقع قيادية داخل الإدارة والأحزاب والمؤسسات المنتخبة.
وفي هذا السياق، يكتسب قرار تعيين ممثل لحكومة بروكسل في الرباط بعداً يتجاوز الاعتبارات الإدارية، ليعكس أيضاً الثقة المتزايدة التي توليها المؤسسات البلجيكية لكفاءات تجمع بين الانتماء الكامل للدولة البلجيكية والمعرفة العميقة بالمغرب.
لكن هذا الواقع يطرح سؤالاً أوسع: إلى أي مدى أسهم الحضور المغربي في بلجيكا في إعادة صياغة العلاقات بين البلدين؟ وهل يمكن الحديث عن شبكة تأثير حقيقية تربط الرباط ببروكسل، أم أن الأمر يتعلق فقط بالاندماج الطبيعي لجالية أصبحت جزءاً من المجتمع البلجيكي؟
بعد أكثر من ستين عاماً على بدء الهجرة المغربية المنظمة إلى بلجيكا، لم تعد العلاقات بين البلدين تقتصر على التعاون الدبلوماسي التقليدي أو المبادلات التجارية، بل أصبحت تستند إلى رصيد بشري واجتماعي وثقافي فريد، يتمثل في مئات الآلاف من المواطنين البلجيكيين المنحدرين من أصول مغربية، الذين أصبحوا جزءاً لا يتجزأ من مؤسسات الدولة والمجتمع.
وهذا الواقع يفسر جانباً مهماً من المكانة التي يحتلها المغرب في السياسة الخارجية الاقتصادية لإقليم بروكسل، كما يساعد في فهم الخلفية التي جاء في سياقها قرار تعيين مصطفى بودشيش ممثلاً لحكومة الإقليم في الرباط.
فلم تعد الجالية المغربية في بلجيكا مجرد تجمع سكاني كبير، بل تحولت إلى ما يمكن وصفه بـ رأس مال بشري واستراتيجي يخدم البلدين في آن واحد.
فمن جهة، يحتفظ عدد كبير من أبناء الجالية بعلاقات متينة مع المغرب، سواء عبر الروابط العائلية أو الزيارات السنوية أو الاستثمارات أو الأنشطة الثقافية، وهو ما يجعلهم أحد أهم الجسور الإنسانية بين الضفتين.
ومن جهة أخرى، أصبحوا جزءاً من النسيج الاقتصادي البلجيكي، من خلال مئات الشركات العاملة في التجارة، والبناء، والنقل، والخدمات، والمطاعم، والاستيراد والتصدير، فضلاً عن حضورهم المتزايد في الجامعات، والإدارة العامة، وقطاع الصحة، والإعلام، والبحث العلمي.
وبذلك، لم تعد الجالية مجرد طرف في العلاقات الثنائية، بل أصبحت أحد العناصر التي تسهم في تشكيلها.
ورغم هذا الحضور، فإن الحديث عن تأثير الجالية في القرار السياسي البلجيكي يحتاج إلى قدر من الدقة.
فلا يمكن القول إن وجود وزراء أو نواب أو رؤساء بلديات من أصول مغربية يعني أن السياسة البلجيكية أصبحت تعكس المواقف المغربية، لأن هؤلاء يمارسون مسؤولياتهم بوصفهم مواطنين بلجيكيين منتخبين أو معينين، ويمثلون أحزابهم ومؤسسات دولتهم، لا الدولة المغربية.
ومع ذلك، فإن وجودهم داخل دوائر صنع القرار يمنح العلاقات الثنائية بعداً إضافياً، إذ يساهم في:
تعزيز فهم المؤسسات البلجيكية للواقع المغربي. و تسهيل التواصل بين الإدارات في البلدين ، بالإضافة إلى توفير قنوات حوار أكثر مرونة في القضايا الاقتصادية والاجتماعية.
كما يساعد ذلك في دعم المبادرات المشتركة في مجالات الاستثمار والتعليم والثقافة.
ومن هنا، فإن تأثير الجالية هو تأثير غير مباشر، يقوم على المعرفة والخبرة والثقة المتبادلة أكثر مما يقوم على ممارسة ضغط سياسي منظم.
ماذا يستفيد المغرب؟
بالنسبة للمغرب، تمثل الجالية المغربية في بلجيكا أحد أهم امتداداته البشرية في أوروبا.
فهي تسهم في تعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية وجذب الاستثمارات وتنشيط السياحة بالإضافة إلى نقل الخبرات والتكنولوجيا.
ودعم الحضور الثقافي المغربي في أوروبا.
كما يساهم في الحفاظ على الروابط الإنسانية بين الأجيال الجديدة ووطنها الأصلي.
كما تشكل الزيارات السنوية إلى المغرب، خاصة خلال العطلة الصيفية، أحد أبرز مظاهر هذه العلاقة المستمرة، إذ تشهد بلجيكا في تلك الفترة انخفاضاً ملحوظاً في الحركة مع توجه عشرات الآلاف من العائلات إلى المدن المغربية، في تقليد سنوي يعكس استمرار قوة الروابط الاجتماعية والعائلية.
ماذا تستفيد بلجيكا؟
في المقابل، تجني بلجيكا مكاسب متعددة من هذا الحضور.
فالمغرب أصبح بالنسبة إليها شريكاً رئيسياً في جنوب البحر الأبيض المتوسط، ليس فقط في التجارة والاستثمار، وإنما أيضاً في ملفات الأمن، والهجرة، والتعليم، والتعاون العلمي.
كما أن وجود مسؤولين ورجال أعمال وأكاديميين من أصول مغربية، يجمعون بين المعرفة بالمجتمعين البلجيكي والمغربي، يسهل عمل المؤسسات البلجيكية في التعامل مع المغرب، ويعزز فرص الشركات البلجيكية في السوق المغربية، كما يساعد على جذب الاستثمارات المغربية إلى بلجيكا.
ويضاف إلى ذلك البعد الثقافي، إذ أصبحت الثقافة المغربية جزءاً من المشهد الثقافي البلجيكي، سواء عبر الأدب، أو الفنون، أو الموسيقى، أو المطبخ، أو المهرجانات، وهو ما يعزز صورة بلجيكا بوصفها مجتمعاً متعدد الثقافات.
في هذا السياق، لا يبدو تعيين مصطفى بودشيش في الرباط حدثاً منفصلاً، بل يأتي امتداداً لمسار طويل من تطور العلاقات البلجيكية المغربية.
فالمغرب يحتل اليوم موقعاً متقدماً في أولويات بروكسل الاقتصادية، كما أن بروكسل نفسها أصبحت مدينة تضم واحدة من أكبر الجاليات المغربية في أوروبا، الأمر الذي يجعل العلاقة بين الجانبين تتجاوز القنوات الدبلوماسية التقليدية لتشمل المجتمع، والاقتصاد، والثقافة، والتعليم، والإدارة المحلية.
ومن هنا، يمكن فهم قرار حكومة بروكسل تعزيز تمثيلها في الرباط باعتباره استثماراً في علاقة أصبحت تستند إلى المصالح الاقتصادية بقدر ما تستند إلى الروابط الإنسانية.






