وتأتي الأحداث المؤلمة المرتبطة بمحاولات الهجرة الجماعية للشباب والقاصرين نحو ثغر سبتة المحتلة، لتضع هذه المعادلة أمام اختبار حقيقي ومكاشفة مجتمعية قاسية تتجاوز البعد الأمني الصرف لتطال جوهر السياسات التنموية للحكومة. إن مشاهد التدفق الجماعي وصيحات اليأس على الحدود لا يمكن اختزالها في مجرد حدث عابر، بل هي مرآة تعكس واقعا بنيويا مأزوما يتطلب من الجهاز التنفيذي مغادرة مربع الصمت والتبرير، والإنصات العميق لنبض الشارع والشباب الذين يمثلون الطاقة الحيوية للبلاد وقاطرتها الأساسية نحو المستقبل. هذا الواقع يفرض توجيه تساؤلات حارقة ومشروعة حول مدى نجاعة الخطط الحكومية الموجهة للإدماج الاقتصادي والاجتماعي، وفي مقدمتها مآل شعار الدولة الاجتماعية أمام شبح الغلاء المتواصل الذي يلتهم القدرة الشرائية للأسر ويوسع الفوارق الطبقية.
ويتعاظم التساؤل اليوم حول غياب الحلول الواقعية والمبتكرة لانتشال ملايين الشباب الذين يجدون أنفسهم خارج منظومات التعليم والتكوين وسوق الشغل، مما يولد بيئة خصبة لانسداد الأفق والشعور بالإقصاء والتهميش، ليبقى التساؤل الأبرز حول ضعف التواصل الحكومي وعجزه عن صياغة خطاب ثقة يقنع هذا الجيل بأن كرامته ومستقبله يمكن أن تبنى فوق أرض وطنه. إن الغيرة الوطنية الصادقة تقتضي الإقرار بأن الاستقرار الديناميكي يتغذى على العدالة المجالية وتكافؤ الفرص وحكامة الإنفاق العمومي؛ ومن ثم فإن تجويد الأداء الحكومي والربط الفعلي بين المسؤولية والمحاسبة هو السبيل الأوحد لترجمة التوجيهات الملكية السامية على أرض الواقع، وتحويل طاقات الشباب من مشاريع هجرة اضطرارية، إلى سواعد قوية لبناء مغرب الغد الذي يتسع لجميع أبنائه ويضمن ازدهارهم داخل حدود وطنهم.






