رأي

خديجة الكور: سبتة المحتلة تضع النموذج التنموي المغربي أمام امتحان الحقيقة

لم تعد مشاهد مئات الشباب المغاربة وهم يلقون بأنفسهم في عرض البحر، محاولين بلوغ مدينة سبتة المحتلة سباحةً عبر محيط معبر تاراخال، مجرد حدث عابر مرتبط بالهجرة غير النظامية. لقد بلغت الموجة الحالية ذروتها يوم الخميس 30 يوليوز 2026، في مشاهد أعادت إلى الأذهان أزمة ماي 2021، لكنها هذه المرة تحمل دلالات أعمق: فحين يفضل جزء من شباب الوطن مواجهة الأمواج، وخطر الغرق أو الترحيل، على البقاء في بلدهم، فإن الأمر يتجاوز البعد الأمني ليصبح مؤشراً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً يفرض على الجميع أسئلة صريحة حول واقع التنمية وآفاق المستقبل.

 

وتؤكد المعطيات الرسمية والحقوقية أن الأمر لم يعد يتعلق بحوادث معزولة، بل بات اتجاهاً مقلقاً يستوجب قراءة هادئة وعميقة. فقد سجلت وزارة الداخلية الإسبانية دخول أعداد متزايدة من الأشخاص بطريقة غير نظامية إلى سبتة خلال سنة 2026، مقارنة بالسنة السابقة، في ارتفاع يعكس استمرار الضغط على هذا المسلك الحدودي. كما تشير الهيئات الحقوقية إلى أن غالبية الوافدين هم من المغاربة، ما يجعل الظاهرة مرتبطة بشكل مباشر بالسياق الاجتماعي والاقتصادي الوطني.

 

ولا يمكن الحديث عن هذه الظاهرة دون التوقف عند كلفتها الإنسانية. فخلف كل محاولة عبور قصة شاب أو قاصر يحمل حلماً بالوصول إلى ضفة أخرى، لكنه يضع في الوقت نفسه حياته أمام مخاطر حقيقية. ويزداد المشهد إيلاماً عندما يتعلق الأمر بالقاصرين غير المرفوقين، الذين يختار بعضهم مواجهة البحر بعيداً عن أسرهم، بحثاً عن مستقبل يعتقدون أنه غير متاح لهم داخل وطنهم.

 

غير أن فهم هذه الموجة لا يمكن اختزاله في عامل واحد. فالتوقيت الحالي يرتبط بمجموعة من العناصر المتداخلة، من بينها الظروف الموسمية التي تجعل العبور أكثر سهولة نسبياً، وقرب المسافة بين بعض الشواطئ الشمالية وسبتة، إضافة إلى تأثير وسائل التواصل الاجتماعي التي حولت تجارب الهجرة إلى صور تنتشر بسرعة، فتخلق لدى البعض انطباعاً بأن الطريق نحو أوروبا أقصر مما هو عليه في الواقع.

 

وفي هذا السياق، تكشف خريطة القادمين نحو الشمال أن الظاهرة تجاوزت حدود المناطق القريبة من سبتة. فالشباب الذين يحاولون الوصول إلى هذه النقطة الحدودية لا ينحدرون فقط من مدن الشمال، بل من مختلف جهات المملكة. وعندما تصبح الرغبة في الهجرة موزعة على امتداد التراب الوطني، فإن الأمر لا يعود مجرد قضية مرتبطة بالمجال الجغرافي، بل يصبح مؤشراً على اختلالات أعمق في علاقة الشباب بالفرص المتاحة وبآفاق المستقبل.

 

كما أن البنية الاجتماعية للمهاجرين تغيرت بدورها. فلم تعد الهجرة غير النظامية مرتبطة فقط بالفئات الأكثر هشاشة، بل أصبحت تشمل شباباً حاصلين على شهادات، وأشخاصاً يتوفرون على مهارات أو تجارب مهنية، لكنهم لا يجدون المسار الذي يسمح لهم بتحويل مؤهلاتهم إلى استقرار اجتماعي واقتصادي. وهذا ما يؤكد أن المسألة لا تختزل في الفقر وحده، بل ترتبط أيضاً بالإحساس بانسداد الأفق.

 

وتقود هذه المعطيات إلى جوهر الإشكال: طبيعة النموذج الاقتصادي وقدرته على خلق فرص فعلية للشباب. فالتقارير الوطنية والدولية تشير إلى استمرار تحديات مرتبطة ببطالة الشباب، وبضعف الإدماج في سوق الشغل، وبالفجوة بين التكوين وفرص العمل المتاحة. كما أن وجود أعداد مهمة من الشباب خارج الدراسة أو التكوين أو الشغل يشكل رصيداً بشرياً معطلاً بدل أن يكون قوة إنتاجية تساهم في بناء المستقبل.

 

لكن المشكلة لا تكمن فقط في عدد فرص الشغل، بل أيضاً في جودتها. فالشاب لا يبحث فقط عن أي عمل، بل عن عمل يمنحه الاستقرار والكرامة وإمكانية التطور. وعندما يجد نفسه أمام وظائف هشة أو مسارات مهنية محدودة، فإن فكرة الهجرة تصبح بالنسبة إليه مرتبطة بتحقيق الذات وليس فقط بتحسين الدخل.

 

وتبرز هنا مفارقة أساسية يعيشها المغرب اليوم. فمن جهة، هناك أوراش كبرى واستثمارات استراتيجية ومشاريع تنموية مهمة تعكس طموحاً كبيراً، ومن جهة أخرى هناك شباب لا يشعر دائماً بأن هذه الدينامية تنعكس على حياته اليومية. وهنا يظهر ما يسميه علماء الاجتماع بالحرمان النسبي: ليس الفقر وحده هو الذي يولد الإحباط، بل أيضاً الشعور بأن التقدم موجود، لكنه لا يصل إلى الجميع بنفس الدرجة.

 

وتزيد وسائل التواصل الاجتماعي من قوة هذا الإحساس، لأنها تعرض نماذج نجاح خارج الوطن، وتقدم أحياناً صورة مثالية عن الحياة في أوروبا، فتجعل بعض الشباب ينظرون إلى عبور البحر باعتباره فرصة وليس مخاطرة. ولذلك فإن مواجهة هذا التصور لا تكون فقط بالتحسيس بمخاطر الهجرة، بل ببناء قصص نجاح حقيقية داخل الوطن، قصص يراها الشباب ويؤمن بإمكانية تحقيقها.

 

ومن المؤكد أن الجهود الأمنية تبقى ضرورية لحماية الأرواح ومحاربة شبكات الاتجار بالبشر وتنظيم الحدود. فالسلطات المغربية تقوم بأدوار مهمة في الإنقاذ والتدخل ومنع استغلال المهاجرين من طرف الشبكات الإجرامية. غير أن التجربة أثبتت أن الأمن وحده لا يستطيع معالجة ظاهرة جذورها اقتصادية واجتماعية وثقافية. فالأمن يعالج مظاهر الأزمة، بينما التنمية العادلة هي التي تعالج أسبابها العميقة.

 

إن ما يحدث في سبتة اليوم ينبغي أن يُقرأ باعتباره جرس إنذار وطنياً، لا من منطلق التشكيك أو جلد الذات، بل من منطلق المسؤولية الجماعية. فهو يدعونا إلى طرح أسئلة أساسية: هل يوفر النمو الاقتصادي فرصاً كافية ولائقة للشباب؟ هل تصل ثمار التنمية إلى مختلف المجالات الترابية؟ هل يشعر الشباب بأن لديهم مكاناً ودوراً ومستقبلاً داخل وطنهم؟

 

إن الجواب يمر عبر جعل السياسات العمومية أكثر ارتباطاً بالواقع اليومي للمواطنين، من خلال سياسة تشغيل فعالة، وتكوين مهني مرتبط بحاجيات الاقتصاد، ودعم حقيقي للمقاولات الصغيرة والمبادرات الشبابية، وتعزيز العدالة المجالية في التعليم والصحة والنقل والثقافة والرياضة. كما يمر عبر إعادة بناء علاقة الثقة بين الشباب والمؤسسات، لأن التنمية ليست فقط مشاريع وبنيات تحتية، بل هي أيضاً إحساس بالانتماء وبالمشاركة وبأن المستقبل ممكن.

 

فالشاب الذي يجد من يسمعه، ويرى أن كفاءته يمكن أن تجد مكانها، وأن جهده يمكن أن يقوده إلى حياة كريمة، سيكون أقل استعداداً للمغامرة بحياته بحثاً عن أفق آخر. إن بناء الثقة لا يقل أهمية عن بناء الطرق والموانئ، لأن الرأسمال الحقيقي لأي بلد هو شبابه.

 

وفي النهاية، فإن الهجرة غير النظامية ليست مجرد قضية حدود أو أمن، بل هي مرآة لمنسوب الثقة في المستقبل. وعندما يصبح البحر في نظر بعض الشباب أقرب من الوطن، فإن السؤال الأكبر لا يتعلق فقط بكيفية منع العبور، بل بكيفية جعل البقاء اختياراً حراً ومقنعاً.

 

فالرهان الحقيقي ليس فقط أن تتراجع أعداد محاولات الهجرة، بل أن يبني المغرب نموذجاً تنموياً يجعل أبناءه يرون في وطنهم فضاءً لتحقيق الطموح والكرامة. حينها فقط يتحول البحر من طريق للهروب إلى فضاء للتواصل والتنمية، ويصبح الوطن هو الوجهة الأولى للأمل.